عمرو خفاجى يكتب | اختفاء المستقبل

عمرو خفاجى يكتب | اختفاء المستقبل

عمرو-خفاجى

كانت المعركة مستترة فى أعقاب الثورة مباشرة بين الحاضر الثورى الفائز بكل شىء ومعه غالبية الجماهير، وماض مهزوم يلملم فلوله ويريد أن يختفى عن الأنظار، إلا أن الحاضر المزهو بفوزه أبى وظل يجر شكله، حتى تحول الصراع بين الحاضر والماضى، إلى معركة رئيسية أكلت فى طريقها كل المعارك التى كانت مستحقة فى ذلك الوقت، وتصاعدت حدة المطالبات بحساب الماضى وعقابه، ومن ثم انطلقت محاكمات لم تنته حتى الآن، ومطاردات عبثية لقوى خائرة مجهدة، صحيح أنها كانت تسير فى ركاب النظام الذى سقط، لكنها لم تكن صانعة للفساد، أو حتى مستفيدة منه، على الأقل غالبيتهم، وبالتالى وجدنا أنفسنا فى خضم معارك قطعت الطريق على خوض المعركة الحقيقية من أجل العبور للمستقبل، والتفكير فيه والتخطيط له، وربما لا ننسى مقولة الدكتور محمد البرادعى «بأن مبارك صار جزءا من الماضى» لكن الجميع تجاهلوها عن عمد وتجاهلوا معها الالتفات للمستقبل.

ومن اللحظات الأولى لحكم مرسى كان واضحا أيضا أن يبحث عن الاشتباك مع الماضى، سواء الماضى البعيد حينما قال فى خطاب فوزه بالرئاسة بميدان التحرير (الستينيات وما أدراك ما الستينيات) فى إشارة واضحة لصراع الجماعة مع النظام الناصرى، أو الماضى القريب، بعد الثورة مع كل من كان مختلفا أو معوقا لتقدم الإخوان لسدة السلطة، ولم يحاول مرسى أو جماعته استهداف المستقبل أو البحث عن حلول حقيقية للتقدم للأمام بهذا الشعب، وتبخرت النهضة ومشاريعها، واخترعت الجماعة صراعات جديدة مع الجيش ومع شباب الثورة وأيضا كان ذلك على حساب المستقبل.

وحينما جاءت لحظة ٣٠ يونيو، والتى كانت لحظة بالغة التعقيد، وهى لحظة أكبر بكثير من فكرة خلع رئيس، أو حتى الانقلاب عليه من وجهة نظر بعض قطاعات التيار الإسلامى، فقد كانت لحظة رفض الناس لكل العبث الذى حاق بهم، ليس فقط من حكم الإخوان، ولكن ما كان قبله أيضا، قبل الثورة وما أعقبها، وهى هبة جماهيرية مختلة تماما عن ما حدث فى يناير ٢٠١١، كان الشعب يعلن أن الكيل فاض به، وأنه شعب لن يصمت مجددا، وأنه يطلب تغييرا حقيقيا، ليس مثل التغييرات الوهمية التى حاول من تولى السلطة بيعها للشعب، والشعب أيضا كان يشكو من اختفاء المستقبل من أمامه، وأنه لن يضحى بمستقبله ومستقبل أولاده من إجل صراعات مع الماضى لم يكن يوما طرفا فيها، والمذهل حقا أن البعض حاول منذ يوليو ٢٠١٣ أن يعيد الصراع مع الماضى مرة أخرى مع اختلاف الطرف المستهدف، وأعتقد أن هذا لن يسمح به الشعب، فكفى مواجهات مع الماضى، فالمستقبل يكاد يختفى فعلا وعلينا، جميعا، استعادته، وبسرعة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.