عمرو خفاجى يكتب | البحث عن مرتشٍ

عمرو خفاجى يكتب | البحث عن مرتشٍ

عمرو-خفاجى

وقف رجل على مشارف الخمسين من العمر أمام باب مصلحة حكومية، وهو يهتف (عاوز أى موظف مرتشى فى المصلحة دى) الطريقة التى كان يعلن بها الرجل عن طلبه كانت مثيرة وجذابة، وأيضا تكشف عمن فاض به الكيل، واقترب من حالة (الخروج من الهدوم) وصار لصيقا بلحظة جنون تنتاب كثيرا من المصريين منذ سنوات طويلة أثناء مواجهاتهم مع بيروقراطيتنا التليدة الشامخة، الرجل وقف يحكى بأعلى صوته قصته مع المصلحة الحكومية والتى بدأت منذ عهد الرئيس المعزول، ولم تنته حتى اللحظة التى انفجر فيها وطلب موظفا مرتشيا لينهى عذاباته فى رحلة البحث عن موافقات لم يفهم ضرورتها أو أهميتها، إلا أنها أوراق تشغيل لن يستطيع بدونها الاستمرار فى مشروعه، وكان من الواضح أن كل السبل قد سدت فى وجهه، ولم ير حلا إلا بالموظف المرتشى الذى يستطيع أن يزيل كل العوائق التى تمنع حصوله على الموافقات المطلوبة، وفهمت، مما قاله الرجل أن الرشوة فقط قادرة على حل مشاكله، لكنه عاجز عن الوصول للموظفين الذين يجيدون ذلك، وكان من الواضح، أنها المرة الأولى التى يتعرض فيها لمثل هذا الموقف، وعرفت أنه كان يعمل فى السياحة، وبعد أن ضاقت به الدنيا، قرر أن يستغل مدخراته لإنشاء مشروع يعينه على صعوبات الحياة، إلا أن صعوبة البيروقراطية وقسوتها وجهت له ضربة قاصمة وأوقعت به هزيمة دفعته لحافة الجنون، وأقنعته أن يرضى بوقف حال السياحة، بدلا من السياحة بين قلاع البيروقراطية التى مازلت تعترف بالرشوة كلغة تفاهم وحيدة لا يمكن قبول غيرها.

أكيد أن القصة مكررة، ويعلمها كل من يتعامل مع جهات الدولة، خاصة أولئك الذين يبدون أنهم سيربحون بعض المال من الأوراق الحكومية المطلوبة، حيث قد قرر بعض الموظفين، من زمن طويل، الحصول على حقوقهم، أو ما يعتقدون أنها حقوقهم، من كل من ساقته الأقدار للوقوع فى طريقهم، على اعتبار أن ذلك ما يقدرون عليه، فى ظل عجزهم عن المطالبة بدخول تليق بأعمالهم ومهامهم، وتكفى أيضا لعيشهم بكرامة، طبعا كل هذا وفقا لتصوراتهم الشخصية والتى صارت قناعات عامة عند قطاع لا بأس به من الموظفين، ومن الواضح أيضا أن قصة الحد الأدنى للأجر لم تغير الأوضاع ولم تطرد مثل هذه النوعية من الجرائم من مصالحنا الحيوية، بالمناسبة الرجل الغاضب الذى كان يبحث عن الموظف المرتشى، سأل عن الثورة وعما فعلته فى الناس والدولة، ولم ينس أن يكيل لها بعض الاتهامات وهو فى فورة غضبه، باعتبارها عطلت السياحة وقطعت رزقه.

القصة برمتها، تطرح أسئلة بالغة الأهمية عن الجهاز الإدارى للدولة، وهى أسئلة حائرة بلا إجابات، وبلا اهتمام، وحتى عندما تم طرح قانون الحد الأدنى للأجر، لم يتحدث أحد عن الحقوق المترتبة عليه، تماما مثل الحديث عن كادر المعلمين دون ربطه بالدروس الخصوصية، بالرغم من أن الدافع فى الحالتين هو ضعف الأجر، فقد تم تسويق فكرة أن الموظف لا يعمل لأنه لا يحصل على أجر يكفيه، وهو نفس السبب الذى يبرر الرشوة ويفسرها منذ سنوات طويلة (للأسف الشديد بعض رجال الدين أفتوا بأنها حلال) وأن المدرس المسكين يلجأ لإنهاك نفسه بالدروس الخصوصية، قبل أن ينهك البلد كلها، لذات الأجر اللعين الذى لا يكفى، لذا كان غريبا، ألا يشغل الجهاز الإدارى للدولة، وتطويره، أيا من المرشحين للرئاسة، سواء فى الانتخابات الحالية، أو حتى الماضية، بالرغم من أنه هو أول وأسرع من سيعيد للدولة اعتبارها وهيبتها، وحينما يبحث مواطن عن موظف مرتشٍ لينهى مصلحته، نستطيع أن نفهم بسهولة أن الثورة لم تصل بعد للسادة الموظفين الذين ثاروا على فساد، ويمارسون مثله، ولا أرى فيما أقول قسوة عليهم (رغم رفضى للحالة البائسة لجميع أصحاب الدخول غير الإنسانية) فالفساد فساد حتى لو بثمن بخس، والحق حق حتى لو انتظرناه لبعض الوقت.. المشوار صعب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.