عمرو خفاجى يكتب | حياة محترمة

عمرو خفاجى يكتب | حياة محترمة

عمرو-خفاجى

نستطيع أن نقول إن مصر تدخل اليوم عصرا جديدا مدفوعا برئاسة حظيت بجماهيرية واسعة، حيث تحققت إرادة شعبية بدفع رجل بعينه للترشح وانتخابه، وربما هى المرة الأولى فى تاريخنا المعاصر التى يطلب فيها الشعب من أحد رجالاته أن يكون رئيسهم، وهى حالة فريدة نتاج ظرف شديد الخصوصية، مرت به مصر بعد عام صعب وعصيب من حكم مرتبك غامض استعدى الكثير من فئات الشعب، سواء بشكل مباشر من الحاكم ومن الدوائر المحيطة به، أو بشكل غير مباشر، من قوى مناصرة لهذا الحاكم ولجماعته، ولا أبالغ إذا قلت إن ما حدث فى ٣٠ يونيو هو الأهم قاطبة فى تاريخنا المعاصر، فخروج الشعب بهذه الكيفية وعدم إستسلامه لحالة الحكم التى شارك بنفسه فى صنعها قبل عام واحد فقط، يعكس تغيرا حقيقيا فى الحراك والتحرك وفى قبول ورفض الحكم، وهى ظاهرة، للأسف، لم يتطرق إليها أحد بالبحث والتحليل حتى الآن، وفى تقديرى أنها مسألة جديرة بالبحث لفهم حقيقة التغيرات التى طرأت علينا، والثقافة الجديدة التى ولدت مع زلزال ٢٥ يناير، وأعتقد أن خروج الشعب مجددا بالطريقة التى خرج بها أهم بكثير من كل الأسئلة التى طرحت خلال الفترة الماضية، بما فيها السؤال المركزى حول أن ما حدث كان انقلابا عسكريا أم ثورة شعبية، بل إن السؤال فى حد ذاته صار، مع تقادم الأيام وتوالى الإجراءات، مجرد سؤال شكلى يسترشد به البعض لتأييد وجهة نظر فى تحليل ما، بينما مازال خروج الشعب على حاكمه مثيرا وغامضا، خاصة أنه كان قويا ومصرا ومحددا فى ضرورة الإطاحة بالحاكم ونظام الحكم والفكرة التى تقف خلفهما، ومن ثم حالة أخرى من الانفجار قررت الضغط على رجل بعينه ليقودهم، وهو ما نجح فيه الشعب، وأيا كانت التحليلات المختلفة لما جرى، فإن وجود الشعب فى الصورة ورسم المسار كان واضحا وجليا بامتياز، ولا يمكن التشكيك فيه.

تحليل ما جرى، على أهميته، يتراجع قليلا، أمام أهمية أن يفهم الرئيس الجديد حجم الثقة التى جاء بها للحكم، وهى ثقة ليست مجانية بالمرة، إنما على العكس من ذلك تماما، فتلك الهبة فى نزع حاكم وتلك الجرأة فى الإصرار على آخر، ترفع سقف التوقعات إلى عنان السماء، وذلك تحديدا هو المشكل الأول الذى يحب أن يلتفت إليه الرئيس عبدالفتاح السيسى، وأن يضعه أمامه وهو يبدأ مشوار حكمه، وإذا كان يفهم أنه ليس عليه «فواتير لأحد» كما عاد وزاد فى هذا الأمر، فإنه بالضرورة «مدين» لطلائع هذا الشعب بالكثير، وهنا لا يتوقف الأمر فقط عند البسطاء منهم، بل الشعب بمختلف فئاته وطبقاته، فكما أن هناك «مديونيات» و«استحقاقات» عاجلة بشأن العدالة الاجتماعية بمفهومها الشامل، هناك أيضا «مديونيات» و«استحقاقات» فورية بشأن ثقافة وقيم وأخلاق المجتمع، ولا يخفى على أحد أن جزءا كبيرا من خروج الشعب على نظام الحكم السابق لم يكن بشأن قضايا اقتصادية، بقدر ما كان بشأن قضايا تهدد نمط وأسلوب حياتهم، وحرياتهم الشخصية، ثم تنضم الكرامة كمطلب مشترك بين جميع الفئات التى أولت السيسى الثقة لحكمها.

الأكيد أن السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى يفهم ويتفهم ضرورات القضايا الرئيسة التى استقرت كمطالب لا يمكن التنازل عنها، مثل الأمن والاقتصاد، وهى بالطبع قضايا ملحة ولا خلاف عليها، لكن هذا لا يعنى مطلقا، أن الشعب المصرى غير مشغول بقضايا الحريات الخاصة وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، وهويته الثقافية الحضارية، والتى يشكل الدين محورها، بل هى مطالب عاجلة يريد الاطمئنان عليها ربما بدرجة أكبر من الأمن والاقتصاد، وبتعبير، أتمنى ألا يكون مخلا، الشعب يرغب فى حياة محترمة، تحترم كافة تفاصيل حياته، التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، حريته قبل لقمته، كرامته قبل علاجه، اعتزازه واعتداده بنفسه قبل اعتزازه بما يملك واعتداده بما ينفق… السيسى يبدأ مشواره اليوم ولا نملك حياله فى بداية المشوار إلا الدعاء له بالتوفيق والنصيحة بقدر ما نملك ووفقا لما نرى، أعانه الله علينا وأعاننا عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.