عمرو خفاجى يكتب | خان.. فارس الذكريات

عمرو خفاجى يكتب | خان.. فارس الذكريات

عمرو-خفاجى

مع ظهور اسم محمد خان فى صناعة السينما المصرية، توقف النقاد طويلا أمام أفلامه التى كانت تعلن بقوة عن بدايات تيار جديد لهذا الفن العتيد فى مصر، واللافت للنظر فى أفلام هذا الفنان الكبير، سحر الصورة التى كان يصطادها خياله بواقعية مدهشة، بالإضافة إلى عمق رؤيته للموضوعات التى يختارها لأفلامه، لكن ظلت قدرته على النفاذ إلى أدق تفاصيل المجتمع المصرى هى السمة المميزة لهذا المخرج السينمائى الكبير. فى فيلمه الأول «ضربة شمس» كانت شوارع القاهرة أمامنا على الشاشة بمثابة معشوقة البطل التى كان يداعبها طوال الأحداث عبر دراجته البخارية، شاهدنا شوارعنا كما لم نشاهدها من قبل، وكأننا فى حالة اكتشاف للجغرافيا التى نحيا بداخلها ولم نتفاعل معها شعوريا، هذه الحالة لم تتوقف فى أفلامه مطلقا، فى فيلمه «شقة مصر الجديدة» يعيد خان بشاعرية مذهلة تركيب حى مصر الجديدة بكافة تفاصيله، وكأنه يفى بوعد قديم باستكمال ما بدأه معنا فى «أحلام هند وكاميليا»، ولا أبالغ إن قلت إن أفلام هذا الرجل كانت فى وقت ما، تعيدنا لأنفسنا، وتنتشل بعضنا من ضياع مؤقت، بسبب عشوائيات عمرانية وفكرية.

لم يكن خان مجرد فنان سينما، بل جاء مع مطلع الثمانينيات، ليدفعنا بالتمسك بالأمكنة وتذكر الأزمنة، التى كانت تتسرب من بين أيدينا بفعل تحولات لحظة جهنمية جاءت مصر المرتبكة المتحولة المتغيرة بغير وعى والخالية من قيمها الثقافية والأخلاقية.. مع «زوجة رجل مهم» وبصوت عبدالحليم حافظ، ومحطة قطار المنيا، ناقش معنا سنوات السبعينيات وتوحش السلطة ونبهنا لذلك مبكرا، مؤكدا على مخاوف تحاصرنا دون أن ندرى، كان «سوبر ماركت» واضحا فاضحا لما نحن ذاهبون إليه، تحولات قيمية نخاف من مواجهتها، كان البيانو فى « سوبر ماركت، فى حكم المطرود المطارد، بكل ما يحمله من دلالات، ولأن خان يفى بوعوده دائما، فقد عاد لنا البيانو وبكثير من قيمه فى شقة مصر الجديدة، ليكشف لنا إمكانية استعادة ما فقدناه، وقد كان إلى حد ما.

ما بين «عودة مواطن» و«خرج ولم يعد» امتلك خان شجاعة نادرة فى فضح ما تعرضت له الشخصية المصرية من أزمات كبرى هددت بضياعها، كان مثل الطبيب الحانى يتحدث عن مرضنا برحمة المحب العاشق، دون أن يصدمنا بالحقيقة، الحقيقة التى عرفناها مع «أحلام هند وكاميليا»، شارحا لنا إمكانية إنقاذ أنفسنا مما يحاصرنا من تشوه، وخراب فى الروح المنهكة، من جراء سياسات اقتصادية باطشة (الانفتاح) اعتقدناها الدواء وكانت هى الداء. فى «تونس» العاصمة، سألت فارس إعادة اكتشاف مدينتى (القاهرة) محمد خان، عن سبب اختياره لاسم مدرسة النقراشى الثانوية، فى مفتتح فيلمه «فارس المدينة» والذى هو أقرب لحكايته، فقال لى إنها مدرسته التى درس بها، وكانت مدرستى أيضا، وتبادلنا الذكريات والحكايات، وبالتأكيد كانت قصة «الجنسيات» غائبة بحكم المشترك بيننا وبمنطق تاريخ الرجل، فنيا وإنسانيا.

محمد خان ليس مجرد فنان سينما كبير (وذلك فى حد ذاته شأن عظيم) وإنما واحد من قادة فكر مقاوم لما كانت تتعرض له بلادنا فى سنوات صعبة، كان مواطنا مصريا وعظيما.. ساهم طويلا فى إضاءة شوارع مظلمة واجهتنا، ولم نكن فى حاجة لأوراق أو قرارات لتؤكد مصرية هذا الرجل..فأفلامه وأفكاره ومواقفه قالت ذلك وساهمت فى حفر الوطن والوطنية فى ذاكرة متعبة ومجهدة.. أليست السينما ذاكرة الوطن ومهدهدة الروح؟

محمد خان، فارس ذاكرتنا، شكرا وأهلا.

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.