عمرو خفاجى يكتب | مسئولية الكبار

عمرو خفاجى يكتب | مسئولية الكبار

عمرو-خفاجى

فى خطوة مفاجئة، أعلن المتحدث باسم شركة «جوجل» واحدة من كبريات شركات تكنولوجيات المعلومات، انتهاء حالة التقاضى مع شركة «آبل» صاحبة الاسم الكبير عالميا فى ذات المجال، بعد حوالى أربع سنوات من النزاع حول براءات اختراع، والتى احتدت فى أعقاب قيام «جوجل» بالاستحواذ على شركة «موتورولا» للهواتف والاتصالات، وربما يكون خبر التصالح فى حد ذاته خبرا كبيرا ومهما، لكن السبب الذى دفعهما لذلك هو الذى يعنينى، وأعتقد أنه يجب أن يعنينا هنا فى مصر، فقد أوضح بيان «جوجل» أن انتهاء الدعاوى القضائية بشأن الهواتف الذكية، هو من أجل قيام الشركتين بالعمل معا لتغيير قوانين براءات الاختراع فى الولايات المتحدة والتى يعتبرانها غير ملائمة لتطورات العصر، وهو أمر يكشف مدى وعى الشركتين تجاه الصناعة التى يعملان فى إطارها، بما فى ذلك من ضرورات لضبط البيئة التشريعية والقانونية التى يعملان تحت رايتها، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح مالية مباشرة يعتقد كل طرف أنها حقه، لكن تعديل القانون بالنسبة لهما أهم من حفنة أموال، حتى يستطيعا التطور والتقدم، كما أن ذلك أيضا يكشف مسئوليات الكبار فى قيادة الأعمال، حتى فيما نعتقد أنه لا يخصهما مثل التسريع وسن القوانين، فقد قررا بدلا من مواجهتهما بعضا لبعض قضائيا، التعاون معا ومواجهة الدولة العاجزة عن إنتاج التشريعات اللازمة والعادلة لنشاطيهما.

يأتى هذا القرار، بعد فترة من تعاون كبير بين «آبل» و«سامسونج» فى مجال تصنيع الشاشات، رغم النزاع القضائى الشهير بينهما أيضا، والذى لم يمنع التعاون البحثى والصناعى بين شركتين متفوقتين متنافستين على المستوى العالمى، وفى نفس الوقت تخوض «جوجل» مفاوضات مرهقة مع الحكومة الألمانية بشأن حقوق محرك بحثها الشهير، وهى مفاوضات متعلقة بالتشريع أيضا، ولم تتخل «جوجل» بصراحة عن مسئوليتها تجاه البشرية، رغم ما تملكه من صيغ احتكارية يصعب منافستها، على الأقل فى الوقت الحالى، وقد أعلن وزير الاقتصاد الألمانى تفهم «جوجل» لطلبات الحكومة الألمانية رغم قسوتها، وهو وصف للوزير الألمانى، مرة أخرى نكتشف أن الكبار يتصرفون بطريقة أخرى، وينتهجون أساليب مختلفة تماما عن تلك التى تنتهجها شركات بائسة لدينا تعتقد أنها كبيرة ومهمة، فتدوس على الجميع بما تملكه من قوة أو ما تعتقد أنه قوة.

الأكيد أن «جوجل» و«آبل» و«سامسونج» شركات لا تعرف إلا مصالحها، ولا تعترف إلا بمكاسبها وتقدمها وتطورها، وطبعا هذا حقها، لكنها تدرك أيضا حجم مسئوليتها فى الحفاظ على حقوق كل الأطراف، بما فى ذلك حقوق المنافس، وحقوق المستهلك، وأيضا حقوق الدول، دون أن تتنازل عن حقوقها، بل تعمل على تغيير كل ما يعوق الحصول على الحقوق، مثل ما ستعمل عليه «جوجل» «و«آبل» فى الولايات المتحدة لتغيير قوانين وتشريعات براءات الاختراع، فجميع الأطراف تقبل التنافس وتقدر عليه، وإنما فى إطار قانونى واضح، وكلها أمور لا نجدها فى بلادنا، بالرغم من أننا فى هذه اللحظة تحديدا نحتاج لأن تكون شركاتنا الكبرى شريكة فى المساهمة فى حل ما يواجهنا من مشكلات، خصوصا تلك المشكلات التى تسببوا فيها، أو تخص صناعتهم وأعمالهم، فعلى سبيل المثال لم تتحرك شركات المصانع كثيفة الطاقة لمواجهة أزمة نقصان الغاز، أو مناقشة البحث عن بديل دون الإضرار بصالح المواطنين، سواء فى أسعار المنتجات التى تقفز من يوم لآخر، أو فى الحفاظ على البيئة مثلا فى قضية استخدام الفحم، طبعا يجب أن يكون للدولة بسيادتها دور فى ضبط ذلك، لكن النجاح لن يتحقق إلا بتحرك الكبار من رواد الصناعة لضبط الصورة فى صالح الجميع بما فى ذلك أصحاب الشركات والمصانع فلا أحد يرغب فى كسرهم، وطبعا لا نرغب نحن فى تحطيمنا على أيديهم. فمتى يتحرك الكبار عندنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.