عمر طاهر يكتب| زيد «1» .. زيد بن عمرو

عمر طاهر

(1)

كان زيد يشعر بغربة بين أهل قريش، كان يتأمل طبيعة حياتهم فتصيبه غصة ما، كانت هذه الغصة تهزمه أحيانا فينهار إلى جدار الكعبة متعلقا بأستارها شاردا باتجاه السماء، وكان أحيانا يهزمها فى مواقع عدة.

كان زيد يمر بالرجل يدفن ابنته على طريقة الجاهلية فيهرع باتجاهه، سأحيى الموءودة يقول زيد لنفسه، ثم يقول للرجل: لا تقتلها وسأتكفل أنا بها، سآخذها لأربيها وما إن تكبر سيكون لك مطلق الحرية فى أن أعيدها إليك إذا رغبت، وإن شئت تركتها فى عهدتى وكفيتك أنا مؤنتها.

على هذا النهج أنقذ زيد بن عمرو عشرات البنات، بينهن من كبرت فى ما بعد لتصير والدة أحد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت كل أم طيبة من أمهات قريش ترى فى زيد بن عمرو فرصة جديدة لاستئناف حكم الإعدام الصادر بحق بنتها الرضيعة ،أما بقية الأمهات فكن يوصين الآباء قبل مشوار الوأد أنِ احذر أن يراك زيد بن عمرو.

(2)

كانت قريش تقيم عيدا سنويا لأحد أصنامها، فى يوم عيد هذا الصنم كان الجميع مأمورين بالوجود فى صحن الكعبة للاحتفال، كان زيد يوجد بينهم على مضض، لكنه لم يكن يخجل من مصارحة أهل قريش (هذه الشاة التى تذبحونها خلقها الله، وأنتم تذبحونها على اسم اللات والعزى؟، هل سخرت لها اللات الأمطار؟ أم أن العزى أنبتت لها المراعى؟).

مرة فى مرة أصبح وجود زيد ثقيلا على المحتفلين، شعر بذلك فصار ينتبذ ركنًا قصيًّا على هامش الاحتفال، كان يعتقد أنه الوحيد الذى يكره مسألة الأصنام ولا يستسيغها، إلى أن اقترب منه ثلاثة رجال فارين من احتفال قريش، كان يعرفهم، لكنه لم يكن يعرف ما يدور فى بالهم، خصوصا بعد أن جلسوا إلى جواره صامتين لفترة طويلة.

ورقة بن نوفل.

عبيد الله بن جحش حفيد عبد المطلب.

عثمان بن الحويرث.

قال ورقة يجس نبض زيد بن عمرو: ما هذا الحجر الذى نطوف به وهو لا يسمع ولا يرى ولا ينفع ولا يضر؟

فهم زيد ما تخبئه هذه الصحبة فقال: والله إن قومكم ليسوا على شىء، لقد فاتوا دين أبيهم إبراهيم.

كان هذا قبل ظهور النبى بسنوات طويلة، وكانت هذه الصحبة تشعر أنها متورطة فى باطل ما مع قومها، و اتفقوا على ضرورة إنهاء هذه المأساة.

قال زيد: يا قوم التمسوا لأنفسكم دينا، فلتتفرقوا فى البلدان بحثًا عن الحنيفية، دين إبراهيم.

وكان ما قاله زيد وإن اختلفت مصائر كل واحد من هذه الصحبة.

(3)

كان زيد أول من عرف طريق غار حراء.

كان يذهب إلى هناك بحثًا عن نفسه وهربًا من أذى قريش التى رأت فيه رجلًا يهدم ثوابتهم ويحاول أن يحدث تغييرًا ما، وكعادة عَبَدة الأصنام كان التغيير بالنسبة إليهم هو الأذى بعينه.

قبل أن ينطلق زيد فى البلاد بحثًا عن دين، لم يدخر جهدا فى أن يجهر بما يؤمن به، فقاطع عبادة الأصنام تماما، وحث قومه على مراجعة هذه المسألة، اعتزل الميتة والدم الذى يُذبح على الأوثان، وكافح وأد البنات، كان زيد يناضل بدون رسالة أو وحى، كان يتلمس فطرة أبينا إبراهيم عليه السلام، فقطع عليه طريق الفطرة كل من استقر على أمر ورثه عمن سبقوه.

كان أول من قطع عليه الطريق الخطاب بن نفيل والد سيدنا عمر بن الخطاب.

كان الخطاب أخًا غير شقيق لزيد، وكان أهل قريش يستعينون به على أخيه لردعه، وازدادوا ضغطا عليه عندما علموا أن زيدا فى طريقه إلى الخروج من مكة إلى بلاد أخرى، طلبا للحنيفية الصحيحة.

كان الخطاب قاسيا ولم يجد زيد مكانا ليختبئ فيه سوى غار حراء، كان يمكث فيه بالأيام وينزل منه سرًّا لدخول مكة، وكلما علم أهل قريش بوجوده استعانوا بالخطاب فكان يؤذيه، واستمر الوضع طويلا على هذه الحال إلى أن تمكن زيد من الخروج من مكة نهائيا قاصدًا بلاد الشام.

كانوا يقولون للخطاب: لماذا لا تقتله؟ فيصمت ثم يقول لا أعرف ما الذى منعنى.

بعدها بفترة جاء إلى الحياة سعيد بن زيد.

بعدها بسنوات طويلة تزوج سعيد بن (زيد بن عمرو) من فاطمة (بنت الخطاب).

بعدها بفترة كان سعيد هو مفتاح دخول عمر بن الخطاب فى الإسلام.

«غدًا الحلقة الأخيرة»

المصدر : جريدة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.