عمر طاهر يكتب| «شُفْت ربنا؟»

عمر طاهر

أعلم تماما أن غض البصر له حلاوة لا يجدها فى قلبه إلا مؤمن، أحسبنى كذلك، وأدعو الله أن يغفر لى التفاتةً قد تطول منى باتجاه فتنة تسير على قدمين بذكرى لحلاوة خلقه وتسبيحى بها بطول هذه الالتفاتة أو أطول قليلا.

أنا المتيم بإبداع الله، لا أرى سواه فى كل ما يلمس القلب على هذه الأرض، بداية من جملة موسيقية رصينة وصادقة مرورا بتمريرة كرة متقنة من لاعب موهوب أو فى طفلتى عندما تهذى بحروف مبهمة فى أولى محاولاتها للنطق وتشكل هذه الحروف فى مرة كلمة بابا بالصدفة البحتة، فى سجدة تطول دون سابق ترتيب، فى معجزة رائحة الجوافة الساحرة، فى بهجة بلّ الريق بعد عطش، فى إنسان يقول جملة مفيدة موحية قد تغير حياتك، فى أموال تنتظرها من جهة فلا تأتى، ثم تداهمك بغزارة من حيث لا تتوقع، فى الراحلين الذين يدميك فراقهم فيزورونك فى الأحلام يطبطون عليك، قادمين من بلاد مجهولة تتمنى لو تسألهم عنها، فى الأصابع التى تتحرك الآن على الكيبورد، فى الجنود المجهولين الذين يملؤون حياتنا.. الحارس اللى على العين الذى يظهر وقت الخطر والملائكة التى تحمى الأطفال من اندفاعهم الفطرى والبركة التى تضاعف رزقا قليلا والعقاب الفورى الذى يدفع شخصا ما أن يقول لك (شفت ربنا؟).. كلما حدث معى هذا الموقف لا أجد ردًّا سوى أننى (مش شايف غيره).

فى الأسئلة التى لا إجابة صريحة لها.. مجرد يقين يستقر فى قلبك، فى شعورك أن الحياة حلم ستعرف تفسيره بعد الموت، فى دهشة المرض وفى عز قسوة الألم وفى ضحكة عميقة من المستحيل أن تقدر على شرح كيف انطلقت من داخلك، ولماذا تركت بداخلك هذا الشعور المريح، فى الترتيبات القدرية المذهلة التى تثبت لك أنك أسأت التخطيط وأنه صحيح أن الحتف قد يكون فى التدبير أحيانا، فى دعاء يستجاب فأفرح وفى دعاء لا يستجاب فأوقن أن الفرحة مدخرة لوقت لاحق فى أمر آخر، فى لغز الوقت.. فى اللحظة التى نفشل جميعا فى الإمساك بها ولا نعرف من أين أتت وإلى أين انصرفت. فى راحتك للونٍ ما وامتعاضك من آخر، فى يد غريبة تمتد لتنقذك من أمام سيارة مسرعة صاحبها لا يعرفك، لكنه يعرف أن حياتك مهمة حتى لو كنت أنت غير متأكد من ذلك، فى أقسى لحظات الشك وفى أصفى لحظات اليقين، فى معجزة الشفاء، وفى لوعة الشعور بالجوع، فى صوت دقات القلب عندما تضع رأسك لتنام على إيقاعه، فى غموض فكرة النوم، فى الإيمان بأنك مدين بالشكر فى كل مرة تستيقظ فيها من جديد، فى مواصفات يمتلكها كل واحد للفرحة تختلف عن الآخرين بحيث لا تتضارب الأفراح فيستأثر بها واحد، بينما الباقيين كلهم باصين له فيها، فى ذهولك بالتقدير واللطف، فى النعم وفى رضاك بحرمانك منها، فى قدرتك على أن تسمِّى الأشياء. معجزة أن أول ما تعلّمه سيدنا آدم هو الأسماء، هذه النعمة الضخمة التى لولاها لظل العالم حتى يومنا هذا يقول على كل شىء فى الوجود (البتاع)، تلك المعجزة التى يبدو الخرس أرحم من عدمها كثيرًا، على الأقل ستكون محروما من القدرة على الكلام، وهو أمر لا يقارن بقسوة أن تمتلك القدرة على الكلام ولا كلمات.

الإيمان بالله (مش شطارة) بل نعمة تتحول بمرور الوقت إلى اختيار تتمسك به، ويخدعك من يقول (ربنا عرفوه بالعقل) فكم حفل تاريخ الملاحدة بالعباقرة، الحقيقى أن العقل قد يحول بينك وبين المعرفة.. فطوبى للمجاذيب.

المصدر جريدة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.