لحسة طحينة – قصة قصيرة لـ/ مجدي عزمي

من ظلاله على أديم الأرض؛ يمكنك أن تستدل على مواضع الشمس, تشرق عليه الشمس، وتتعامد، وتغرب وهو واقف في مكانه؛ لا يمكنه الحراك، يبدو كمنحوتة مصرية قديمة, وضعت في قسم شرطة بحي راقي.
وكيف يتحرك! من ذا الذي يغفل جفنه إلا بأذنه؟ بالطبع هو يعي ويتذكر ما حدث مع مجند سبقه في خدمة الضابط. يوم لم تطلعه شمس، داهمته نوبة تعنيه شديدة, فهرول لقضاء حاجته، فكانت خطيئته لا تغتفر، أنه انصرف دون إذن، والطامة الكبرى أنه ولى وجهه شطر مرحاض كبير الضباط؛ فكان جزائه نكالاً وتأديباً، شق له طريقاً منفياً وراء الشمس. منذ أن سمع هذا، قرر أنه مهما كان الخطب سيصبر، فالبقاء تحت لفحه الشمس أفضل بأي حال من التواري خلفها، يريد أن يمضي فترة خدمته على خير دون منغصات. بعد مسكن أهله في أقصى الصعيد لا يحتمل أي تأخير أو حرمان من إجازة، ولاسيما الحبس. اخذ عهداً على نفسه أن يكون أطوع للضابط من كلبه الشرطي الذي يلازمه اغلب الوقت، وكان الأخير أكثر حظاً منه، يلازم الضابط في غرفته المكيفة, ممدداً أطرافه على أرضية رخامية ملساء، بينما هو يمتطي بياده يكاد عنقها يزهق أنفاسه قبل أن يصهر قدميه. صيحة نداء واحدة كفيله أن يأتيه ويلبيه قبل أن يرتد إليه طرفه، حتى لا يحبط عمله. سمعه هذه المرة بوضوح, نقر على باب غرفته الزجاجي الداكن, بظهر كفه القابض على أيام أجازته؛ خشية أن تهدر أو تنفلت من بين أصابعه. دخل راصداً مقعد الضابط خلف مكتبه فلم يجده، كان متكئاًً على أريكة ثرية أمام التلفاز، تعبث أصابعه بجهاز صغير يقلب به قنوات لم يشاهدها من قبل, ويده الأخرى يحك بها سوالفه الغزيرة.
– “أوامر سيادتك”، لم يرد، ربما نسيَ ما ناداه من أجله, أو أراده أمامه كي يتذكر شيء ما يكلفه به.

كانت سعادته لا توصف بمهمته الجديدة، كانت فرصته لإثبات كفائتة، ولإيمانه بالمثل القائل:
“طاهي السم لابد أن يذوقه” فما بالك بحامل أطيب الطعام. كان يقف أمام البائع يملي عليه القائمة المطلوبة
– “نصف كباب ونصف كفته ونصف ريش – مع السلطة”
– أي سلطة؟
اخذ يفرغ ذاكرته من أنواع السلطات، والتي لا يعرف منها سوى الطحينة، كانت أول ما طلب تعبئته من المشهيات.
تمني لو يمتد لسانه ويلعق (لحسه) مما يصب في هذا الكوب الصغير، ولكن قصر قامته لم يترك للسانه نصيب من الطول (لو نال لحسة طحينة لكان خيراً له)، كان عقله يهذي بأماني كثيرة بخاطره؛ لو استطاع أن يُحشَر في مدخنة الشواء, ويسقط فوق أسياخ ممدده تتقلب فوق النار، طاعنه كل ما يحب ويشتهي. قطع اللحم كانت تراوده عن نفسه تارة، وتستجير به من عذاب النار تارة أخرى. أخذ يجفف عرقه بغطاء رأسه الأسود, بينما الآخر يسعر النار بمروحة من ريش أبيض، قطرات الدهن التي تسقط فوق الجمر كانت تُعربد به، وتنزل به أشد العذاب. أفاقه البائع من تهويم الإعياء الذي أصابه وحمل إليه (لفه) كبيرة وأوفاه حسابه, كان غالياً، يكفي لإطعام عائلته شهر من الزمان, بلا حرمان.

عاد إلى سيده مُنهَك القُوى مدغدغ الأعصاب. إشتم رائحة الطعام، تمني لو كان ما عرف الفطام. انصرف آخذاًً في يده سلسلة الكلب رابطاً إياه خارج الغرفة؛ كي يتسنى لسيده أن ينفرد بما ينهش على أكمل وجه.
كان يقف خلف الباب يمني نفسه بقطعة مما يشتهيه، وحمله بنفسه إلى سيده. لم يستطع أن يُخفي شماتته تجاه الكلب، ينظر إليه بزهو، الآن هما سواسية, كلاهما يقف بالخارج تحت وطأة الشمس، كان يراقبه وهو يلهث يكاد يستفرغ لسانه ((( رن جرس الضابط ))) – كان بيده منشفه حينما سأله: – ماذا دهاك يا دفعه؟
– أجابه مستعطفاًً وهو يضم بواقي اللفة بين ذراعية ” فضلة خيرك يا باشا”
نهره في لهجة آمره “أخرجها للكلب .. واحرص على تنظيف المكان بعد أكله” بعدما أفنى الكلب كل ما تبقى من لحم وعظم, أخذ يلملم بواقي اللفة، سقطت منها علبة بلاستيكية بيضاء محكمة الغلق، كما أخذها من البائع.
من حسن حظه .. أن كلاهما لا يشتهيان الطحينة (الكلب .. والباشا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.