محمد فتحى يكتب|فاكر أيام الروقان؟

محمد-فتحي

ياااه على تلكم الأيام التى كنت تطرق فيها باب جارك، فيرد: ميييين؟

وتقول له بسخرية: أنا الميلامين.. وهو ما يجعلك تتساءل: ما هو الميلامين؟ هل هو طقم الأطباق الشهير الذى كانت تشتريه الحاجة لتقدم فيه الطعام لأن طقم الصينى غالى..

أم أن الميلامين صفة لشخص لا نعرفه، ويجب أن نعرفه ونسأل عنه كأى ولاد أصل يجب أن يعرفوا أين ذهب الميلامين؟.. ولماذا اختفى؟.. وكيف يندثر هذا الإفيه وينقرض ولا كأنه كان علامة لجيل كامل كان ينادى على بعضه البعض بعبارات «يا صاحبى» و«يا زميلى» و«يا شقيق»، قبل أن يتطور الموضوع إلى «يا نجم» و«يا برنس»، بعد محاولات عديدة جهيدة لتعميم لفظ «يا بونتى» كلقب عام على شباب هذا الجيل، ولا أحد يعرف كذلك من هو «بونتى»، ولا ما معنى «بونتى»، ولا أين ذهب «بونتى»، مثلما لا نعلم من هى الست «أم ترتر» التى كان ينصحنا أصحابنا بالذهاب «عندها»، وصارت مضرب الأمثال «ده عند أم ترتر»، وبالفحص والتمحيص يمكنك أن تتوصل لعدة استنتاجات..

فأولاً: هى سيدة.

وثانياً: عندها بنت اسمها ترتر (تبقى مصيبة لو الواد هو اللى اسمه ترتر)، وقد حار العلماء والمؤرخون فى معرفة اسم «أم ترتر» الحقيقى المجرد الذى لا بد أنها أخفته وأمعنت فى إخفائه، كديدن السيدات اللواتى يخفين اسمهن لأنه «عيب»، وخوفاً على أولادها من أن يناديهم العيال فى الشارع باسم أمهم (وكأنها سُبَّة).

وثالثاً: أن كثيرين يذهبون عندها ليبدو «عندها» هذا مكاناً معروفاً للجميع، وعلماً من أعلام جمهورية مصر العربية، ما إن تقوله لأحد (عند أم ترتر) حتى يذهب إليها فى الحال راكباً أتوبيس ستة لا لشىء إلا لأنه بيروح كل حتة.

يااااه على هذه الأيام التى كنا ننخع فيها على بعض، فيقول لنا العيال فى الفصل (اللى هو الكلاس class): طب احلف.. لترد سعادتك: وحياة أبوزحلف اللى عمره ما يحلف، وهى الحالة التى يجب أن يدرسها أساتذة علم الاجتماع عن هذا الرجل الأسطورة (أبوزحلف)، وكيف طاوعه قلبه على أن يسمى ابنه «زحلف»، ولماذا هو «عمره ما يحلف»، وكأنه ماركة مسجلة. تربينا على اسم «أبوزحلف» ونحن لا نعرفه، ولا نعرف من مبتكر تلك الشخصية الأسطورية التى نحلف بحياتها وتحاك الأساطير عنها.

يااااااه على هذه الأيام التى كنا نلعب فيها «قفاشة الملك» و«استغماية» و«تيك تراك» و«تيرو» و«مصر وسوريا» و«السبع طوبات» و«صيادين السمك»، ونقرف سكان الدور الأول بلعبنا الكورة فى الشارع، فيرشوا الشارع بالميه ويغرقوه لكى لا نلعب فى الطين لكننا نعتبر ذلك تحدياً مهماً للعب فى الأجواء الممطرة، ونتفنن فى أن نطين الكرة ثم نشوطها شوطة جامدة لترتطم بوجه هذا أو جلباب ذاك، أو تجبر ساكن الدور الأول الذى يصر على لعب دور عم شكشك معنا على إعادة غسل ملابسه المنشورة فى البلكونة؛ لأن الكورة «لبست» فى الغسيل، بكل ما تحمله من طينة.

كانت الملاهى بالنسبة لنا الخيال العلمى، وكنا نسمع أساطير عن «ملاهى» اسمها السندباد لا يذهب إليها إلا «ولاد الناس الكويسين» وكأننا «ولاد الناس اللى مش كويسين»، وكانت ليلة سعدنا حين يأتى أحدهم بالمرجيحة التى تشبه المركب لنتمرجح جميعاً، ونعمل «شقلباظ»، وهو ما كان يغضب الرجل الذى فرض غرامة على كل من يدور بالمرجيحة دورة رأسية كاملة، لكننا نستغل الفرصة لنشعر وكأننا نطير، ونرى الدنيا من تحت ومن فوق، وبالعدل والشقلوب.

يااااه على أيام الموالد وسيدى المظلوم، أو سيدى الشعرانى، أو سيدى أى حد الذى هو من أولياء الله الصالحين، ومع ذلك لا يعرف له أحد كرامات ولا يحفظون سيرته ولا يعرفون أصلاً إن كان حقيقة أم لا، ومع كل هذا نحن نقف أمام ضريحه ونلعب النيشان بالبندقية الرش على لوحة البمب المضروب، ونركب الزقازيق، ونضطر للانتظار فى الطابور الطويل لدخول عرض الأراجوز الذى يكون دائماً «قليل الأدب» و«بيشتم»، لكنه يضحكنا بشدة حين يضرب أصحابه بالعصاية على أم نافوخهم، لنخرج بعدها ونحن نبحث عن الساحر والبنورة المسحورة والبنت التى يقطعها بالمنشار نصفين لكنها تعود سليمة ونحن فاغرون أفواهنا لدرجة تسمح بتحويله لطريق أوتوستراد دولى لكل أنواع الحشرات والذباب.

يااااه على تلك الأيام التى كنا نسمع فيها صريخ بنت الجيران المقملة التى تريد أمها أن تقنعها أن «الجاز» هو الذى سينعم شعرها ويقيه من الحشرات، وأن زيت الأكل هو خير علاج للتسلخات التى يعانيها الطفل الرضيع، وأن ذبل الحمام أجدع حمام كريم لشعره حتى يطول بسرعة وتصبح «الشعراية تقيلة».

(فصل من كتاب ولاد الناس الكويسين عن دار دون للنشر).

المصدر جريدة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.