نوارة نجم تكتب | النصيحة واجبة قبل القلبة «3»

قلنا أمس إن كل نظام يُسقط نفسه بخطة متكررة، وذكرنا البند الأول وهو العجب بالكثرة، والبند الثانى وهو الاستهانة بالخصم أو التعامل معه أمنيا فقط. البند الثالث هو أن يسن النظام الحاكم سنة سيئة، بهدف قيادة الجماهير، أو سوقهم، لمحاربة الخصم بهم، ومن المعروف أنك حين ترغب فى قيادة الجماهير، ومنهم «الدهماء» فى الحرب، فإن ذلك يستدعى استخدام أساليب غاية فى الانحطاط، كأن يستخدم نظام مبارك البلطجية والعاهرات لضرب المعارضين، أو أن يستخدم تنظيم الإخوان عناصره لفض الاعتصامات وسحل النساء، ومن المعروف أيضا أن هذه السنن السيئة انقلبت على أصحابها، وتم التعامل مع من سنها بنفس أسلوبه.

وكذا حين يستخدم النظام الانتقالى الحالى أساليب مشابهة، من تحريض المدنيين على النزول مع قوات الداخلية لمواجهة تظاهرات الجماعة، أو استخدام أساليب رخيصة فى اتهام كل من يفكر فى الاعتراض، كالتخوين، وسيديهات مرتضى منصور، والاتهامات بالعمالة، بل والخوض فى أعراض الناس.

ما تفعله الآن هو أنك توطن الناس على تقبل كم هائل من الدماء، وكم هائل من أقذع الاتهامات، والتخوين، وعلى التعود على سماع الخوض فى الأعراض واستساغته، حتى يصل الأمر بأن يتساءل نجم الإعلام الأول مرتضى منصور عن سبب طلاق زوجة أحد الخصوم السياسيين، فى إشارة إلى أن هذا الخصم مِثْلِىٌّ جنسيًّا! وتتجرأ كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة واللجان الإلكترونية على مهاجمة كل من يرق لمشهد يدمى القلب، موحين للرأى العام بأن «أصحاب القلوب الرقيقة» و«الحكوكيين» و«النوشتاء» وكل هذه التعبيرات الهرائية التى صكتها اللجان الإلكترونية، هم مجموعة من الخونة، والعملاء، والطابور الخامس، لأنهم ببساطة لديهم الحد الأدنى من الإنسانية.

أعلم أن جهاز الداخلية تمت عسكرته إبان حكم مبارك، وأنه يعانى من نقص الكفاءة، ويجد صعوبة جمة فى محاولاته لتحسين أدائه، لكن إن كنت ترغب فى مساندة الداخلية بالفعل، فليس عبر فتح أفواه الناس وتجريعهم الدماء وإقناعهم بأنها «حلوة». فهى ليست «حلوة»، وهناك خياران لا ثالث لهما، إما أنهم لن يقتنعوا بأنها حلوة، وسيتحولون إلى خصوم وأنت فى حاجة إليهم، وإما أنهم سيستلذونها مع الوقت، وهذا يعنى أنك تربى شعبا من مصاصى الدماء. المساندة الحقيقية للداخلية فى مواجهتها للمجموعات المسلحة والتنظيمات التى تهدد الأمن القومى، هو بتقويم أداء الداخلية، وتنبيهها إلى أخطائها، وتقديم حلول بديلة، وتعهد الداخلية ببذل ما تستطيع لتحسين أدائها.

هل أنت مدرك سيدى القائم عى البلاد والذى لا أعرفه وكلما خمنته قيل لى: لا مش هو، ماذا أنت فاعل بنفسك؟

أنت تطعم الشعب لحما نيِّئًا حتى يصيبه السعار، ولو أصابه السعار فلن يجد أقرب منك ليهبشه.

وبالطبع سنجد من يزايد هنا، ويدعى أن معنى كلامى هو أننى أطلب المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين، وليس هناك أكثر منى رفضًا للمصالحة معهم، بل ورفضا لوجود أحزاب ذات مرجعية دينية بالأساس. لكن مواجهة التنظيمات المسلحة لا تعنى الاعتقال العشوائى لصحفى يقوم بعمله، أو محام ظهر على «الجزيرة» يقول رأيا مخالفا لرأى السلطات، بل ومخالفا تماما، وجذريا، لرأيى الشخصى، وتمرير فكرة تلفيق قضية له بالانتماء لتنظيم سرى، بدعوى أنه سب ضابط شرطة؟ والعبث بضمير الناس حتى تجبرهم على قبول تلفيق القضايا، ماذا وإلا سيكونوا خونة للوطن.

وهو تماما ما قامت به جماعة الإخوان المسلمين بالجماهير المصرية أجمع: اقبل القتل والسحل والسجن وتلفيق التهم والخوض فى الأعراض وسماع ورؤية القبح.. ماذا وإلا ستكن كافرا.

وكما أن الشعب كان عليه أن يقبل قباحات عبد الله بدر كى يكون مؤمنا صالحا، فعليه الآن أن يقبل قباحات مرتضى منصور كى يكون وطنيا.

هذا الأمر لن يستقيم، وسينتج عنه صحوة ضمير جماهيرية، كما حدث فى كل المرات السابقة، وسيتمخض عن ردة فعل شديدة التطرف فى الاتجاه المقابل، كما حدث فى كل المرات السابقة، لكن فى هذه المرة، سيفرز اختيارا إسلاميا، فى محاولة للاعتذار والتبرؤ مما قبله الناس فى السابق، وسينتهى الأمر بمذابح انتقامية، أو حرب أهلية حقيقية، وربنا ما هو أسوأ من ذلك، لأن مصر مفاصلها ضعيفة الآن.

ليعلم كل من يمسك بمقاليد الحكم أن الأمور لن تستتب له إلا إذا أقلع عن خطة إسقاط الذات التى اعتمدها مبارك، وطنطاوى، ومرسى، وعلى القائمين على حكم البلاد عدم الاستهانة بالقوة الناعمة لقيادة الرأى العام، أو تسليمها لجهات تنتمى إلى النظام الأسبق وتود الانتقام من كل من عارضوه، ولا بد من وضع خطة أمنية وإعلامية لتصحيح المسار بسرعة، فالوقت ليس متأخرا بعد.

 

المصدر: جريدة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.