نواره نجم يكتب| هى لله.. يا محسنين لله «2»

نوارة نجم

يسخر الإخوان من «محمد محمود» لأنه شاهد على خيانتهم ووضاعتهم وسعيهم الحثيث للسلطة.

كان الإخوان يجوبون الميدان فى أثناء معركة «محمد محمود» ليقنعوا الناس بالرحيل. فكانت «الداخلية» تهجم على الميدان كلما تراجع الثوار قليلا فى شارع «محمد محمود»، لتقوم بفض الاعتصام، لذا كان الثوار يضطرون إلى الوقوف فى المواجهة فى شارع «محمد محمود»، وكلما أحرز الثوار تقدما بصمودهم أمام الداخلية، فجأة تظهر مجموعة من أعضاء جماعة الإخوان، هاتفين هتافات من قبيل: إيد واحدة.. اللى يحب مصر مايخرّبش مصر..» ثم يتلون آيات قرآنية، ويدعون إلى حقن الدماء، ويطلبون من الثوار التراجع بدعوى أنهم قد عقدوا اتفاقا مع قوات الداخلية على إقامة هدنة. فيتراجع الشباب ثقة فى من يتلون آيات الذكر الحكيم، ويقيمون الصلاة أمام قوات الأمن، وتقف مجموعة من الثوار كحاجز بين قوات الأمن وبين أى شخص يرغب فى افتعال مشكلة، وفجأة يختفى هؤلاء الأتقياء الأنقياء، وبعدها بدقائق تخرق «الداخلية» الهدنة. حدث ذلك ثلاث مرات، وفى مرة كان الشباب يصلُّون المغرب، وقُتل عدد كبير منهم، ثم يتبين لنا، بعد الهدنة الثالثة، أن مجموعة الأتقياء الأنقياء، الذين كان منهم رجل يرتدى ملابس الأزهر، واكتشفنا بعد ذلك أنه من تنظيم الإخوان، كانوا بالفعل يعقدون اتفاقًا مع «الداخلية»، لكنه اتفاق على منع الثوار عنهم حتى تتمكن الداخلية من تغيير الوردية وجلب ذخيرة جديدة بدلا من التى نفدت على أعين الشباب ورؤوسهم.

كل من حضر اشتباكات «محمد محمود» يشهد على ذلك، ولشيوع الواقعة، ولأن عددا كبيرا قد حضر المرات الثلاث التى عقدنا فيها الهدنة، فإن أحدا لا يملك أن ينكرها، اللهمّ إلا إذا كان شاهد زور فاجرا، وأذكر فى اعتصام مجلس الوزراء أننا ركضنا نحو صراخ سميرة إبراهيم التى وجدناها تمسك بتلابيب ذلك الشيخ الأزهرى الذى كان ضمن الوسطاء لعقد الهدنة وهى تحاول طرده لأنه كان يدور فى الشارع ليقنع الشباب بالرحيل عن الاعتصام: أنت يا إخوانجى اللى قتلت اخواتنا فى محمد محمود… امشى اطلع بره.

وقتها كتب عبد الرحمن عز أن «الداخلية» تقوم بالدفاع عن بيتها، وأنه لو كان ضابطا ما فعل أقل مما تفعله «الداخلية» بالناس فى شارع «محمد محمود»، وهو يعلم أنه كذاب أَشِر، لأن المواجهة فرضت علينا حماية الاعتصام، ولم يرغب أحد فى اقتحام «الداخلية» كما كانت جماعة الإخوان تشيع وقتها.

أما فى أحداث شارع منصور، فقد وقف عاصم عبد الماجد، الإرهابى السابق، والأمنجى الحالى، يندد بانتهاكنا لهيبة «الداخلية»، ويطالبها باتخاذ أقسى التدابير فى التعامل معنا.

هذا بخلاف القبض على الآلاف فى فترة الحكم العسكرى من 2011 حتى 2012، ثم القبض على الآلاف فى عهد مرسى فى فترة حكمه من 2012 حتى 2013، وتعذيب محمد الجندى حتى الموت، والقبض على أكثر من 40 طفلا، وانتهاك أعراض بعضهم، وخرج علينا رئيس الجمهورية المعزول يبرر قتل الأطفال واعتقالهم بدعوى أنهم مأجورون يتقاضون 600 جنيه ليخرجوا فى تظاهرات، والواقع أن جلّ هؤلاء الأطفال، الذين وجد بعض المحامين جثث العشرات منهم فى المشرحة، كانوا من الأطفال «السريحة» الذين يبيعون المناديل وأقنعة الغاز ليحصلوا على قوت يومهم، ولأن الفقر مرّ، فإنهم لم يأبهوا للرصاص، وكانوا يبحثون عن أرزاقهم وسط القنابل والخرطوش، فكان جزاؤهم أن اتهمهم رئيس الجمهورية بأنهم مأجورون، وبرر أعضاء الجماعة قتلهم واعتقالهم لأنهم: عيال صيّع وأطفال شوارع.

هل أحتاج كل فترة إلى اجترار هذه الآلام التى ما زالت حتى الآن تقضّ مضجعى حتى أبرهن على كذب وبهتان الصارخين بما يسمونه «عودة الدولة البوليسية»؟ وكأن الدولة البوليسية كانت قد ذهبت إلى مكان ما!

إن كانت الجماعة ومَن يشاكلها من أنصار التيار الإسلامى يتشدقون بعودة الدولة الأمنية فهم محقون، لأنهم يقصدون: عودة الدولة الأمنية للقبض عليهم هم. وبالتأكيد هم لا يعنون أن الدولة الأمنية كانت قد فارقت البلاد، وإنما كانت قد أقلعت عن مطاردتهم لتطارد مَن سواهم، وهم لا يعنيهم أن تطارد مَن سواهم، وإلا، فلماذا وقفت الجماعة بكل صلابة ضد مشروع إعادة هيكلة الداخلية إبان فترة حكم طنطاوى؟ لأنها كانت موقنة من تسلم السلطة، وكانت تريد قاتلا مأجورا يقتل معارضيها، وهى لا تناضل من أجل دولة قانون أو عدل، وإنما تناضل من أجل أن تعود هى للحكم لتتمكن من تسليط الدولة الأمنية، التى لم تتغير قيد أنملة، على من يعارضها. فلماذا من لا ينتمى إلى هذا التيار يردد كالببغاء، بحسن أو سوء نية، منطق الجماعة؟

المصدر جريدة التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.