وائل عبدالفتاح يكتب | المونديال وغزة.. مارادونا ونجيب محفوظ

وائل عبدالفتاح يكتب | المونديال وغزة.. مارادونا ونجيب محفوظ

وائل-عبد-الفتاح

يقولون والأسى يُغرق أرواحهم: «تستمتعون بالمونديال والصواريخ تدكّ غزة..».. هى نفسها العقلية المهزومة التى تربّت على الشعور بالذنب، وترى الحياة كأنها فك شفرة كتالوج.. أو مهمة محددة سلفا ومن قبل أشخاص لا تعرفهم حددوا الصح والخطأ.. والمفروض والمتروك.. هى العقلية التى اعتبرت الجلوس على المقهى عيبا.. ولعب الكرة ضياعا أخلاقيا.. والشعور بالمتعة والسعادة خطيئة.

وهذه العقليات هى تقريبًا سر من أسرار الهزيمة والعجز.. أقصد استمرارها باعتبارها بديل «تجار القضية.. وسمسارة النكبة والنكسة».
من قال لكم إن الاستمتاع بالكرة ضد مواجهة جريمة إسرائيل.. (وهى جريمة إسرائيل لا حرب اليهود على المسلمين بالمناسبة)؟

ومن قال لكم إن أهل غزة لم يشاهدوا المباريات وهم ينتظرون القصف؟ ومن قال لكم إن المتعة نقيض الشجاعة؟ أو أن هناك غرضا من السياسة والمقاومة أهم أو أرقى من الاستمتاع بالحياة؟

عموما هذا موضوع كبير.. وكبير جدًّا، وأنا الليلة مشغول بانتظار إلى أين تأخذنا متعة اللعب (بمعناه المبهج لا الدالّ على العطل عن العمل).. وماذا بعد أن انتهت مرحلة طغيان السحر البرازيلى بانتكاس السامبا فى مرحلتها العرجاء. هذه نهاية مرحلة فعلا.. وتثبت (ما كتبته فى واحدة من حكايات القاهرة) أن الكرة ليست لعبة الآلهة. إنها لعبة البشر. ويكسر اللاعب قانون الألوهية ويفتت إطلاقها أو ديمومتها. يجعلها بنت الوقت. مثل آلهة العجوة التى كان يلتهمها الناس بعد الصلاة لها. الألوهية الوقتية هى سحر اللعبة. وكلما اقتربت من البشرية أكثر استمرت الألوهية، لهذا غادر بيليه مبكرًا بأسطورته الملائكية الطيبة المتصالحة وتحوّل مارادونا إلى إله له كنيسة يصلى فيها كل أسبوع مجانينه الذين لم يراقبوا أخلاقه واندماجه فى طقس الطاعة والامتثال الاجتماعى ولم ترعبهم بدانته ولا هزّهم فشله كمدرب، ولا تطرفه فى المنشطات، ولا قصة هدفه الذى استعان فيه بيد الله.. كل هذا عجنته موهبة خارقة لا تفسير لاختراقها حاجز الوقت لتشرخ الزمن والواقع وعبودية الفضيلة إلى مصاف المغامرين المقيمين عند الحواف ويبهرون الناس بما تطمره تعاليم وكتالوجات الحياة الرشيدة.

كنت أتمنى أن أرى لقاء بين مارادونا ونجيب محفوظ. ليس مكافأة على شجاعته فى إعلان محبة أحمد عدوية، بينما القطيع العمومى للمثقفين يعتبرونه رمز الإسفاف.

مارادونا لا وعىٌ نائم عند محفوظ.. شريك رواياته أو قرين تلك السبيكة التى اختار نجيب الإقامة فى نصفها المنضبط كالساعة وهو «رجل الساعة».. كما سماه الأصدقاء.

أول أحلام نجيب محفوظ أن يكون: لاعب كرة لامعا فى شوارع العباسية.. سريعا.. ومراوغا.. مناورا.. وساحرا بمقاييس تلك السنوات.

ومهارته الأولى اكتشفها حين هزم فريقٌ مصرى الفريق الإنجليزى.. لم يكن يتخيل أن الإنجليز يمكن أن ينهزموا حتى فى الرياضة. هنا انشغل باللعبة.. وكما يحكى لرجاء النقاش: «.. رجعت يومئذ إلى البيت وذهنى كله معلق بكرة القدم وبأسماء الفريق المصرى الذى هزم الإنجليز، خصوصا كابتن الفريق حسين حجازى، نجم مصر ذائع الصيت فى ذلك الوقت..».

حسين حجازى هو أول أساطير حياة نجيب الكبيرة.. طلب من أبيه كرة لعب بها وحده فى فناء البيت.. وقلّد كل الحركات التى رآها فى الملعب.. ثم أصبح بعد سنوات كابتن فريق «قلب الأسد» الذى كوّنه مع شلة العباسية.. وظلت عينه على حسين حجازى الذى ظل يلعب حتى وصل إلى الأربعين.. وتابع نجيب حركاته فى الملعب وتسديداته فى المرمى من منتصف الملعب.. وقيادته الفريق كمايسترو قدير.. واستمع إلى الحكايات الأسطورية التى نسجها جمهوره الكبير.. وعندما اعتزل انقطعت صلة نجيب بكرة القدم تماما. لم يصبح نجيب نجمًا فى المنتخب الوطنى ولا شارك فى الأولمبياد.. كما كان يتوقع المحيطون به.. وسارت حياته كما نعرف عكس المتوقع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.