وائل عبدالفتاح يكتب | نعم.. سنصدِّق رواية الأوغاد

وائل عبدالفتاح يكتب | نعم.. سنصدِّق رواية الأوغاد

وائل-عبد-الفتاح

خرج من محطة مترو باب اللوق يسأل: «أين الثورة؟».

كنا فى جولة هروب من قنابل الغاز التى تطلقه مدافع الشرطة عصر يوم 25 يناير.. والشاب من مظهره كان جديدا تماما على مزاج السياسة والمعارضة المحاصرة.. كان يحمل فى يده نسخة مطبوعة من الدعوة إلى «25 يناير».. وسأل كما يليق بشغف التجارب الأولى و«عالم المفاجآت المثيرة».

استجاب الشاب لنداء من عالم افتراضى، وتمرَّد على الخطابات الجوفاء، والمرارات الفاقعة، والتوافقات المخزية… تنظيم افتراضى حوَّل صفحات الشبكة الاجتماعيةإلى ميدان للحرية، تفككت البلاغة الخشبية، وانتشرت ثقافة حرية، لا تعترف بحواجز الإقصاء وكمائن التخوين، وفذلكات الهزيمة الدائمة.

ابن مدينة خرج من كهفه الشخصى ليشارك فى «ثورتها»…

المدينة فى تعددها، رجالا ونساء، محجبات وعصريات، ملتحين ومسيحيين، ملتزمين بالعبادات ومتمردين على القيم المحافظة، نساء تدخنّ ورجال يهتفون بالدعاء، لم يعدالدين مجرد ساتر وتعويذة.. اقترب من لاهوت تحرير، والعلمانية لا تتحسس مسدسها كلما رأت جموع المصلين.. قبول وقتى كما اكتشفنا بعد قليل، لكنه شكل الجسم الذى لا يمكن للذاكرة أن تنساه، جسم اكتشف أجساد غيَّبها القهر السياسى والاجتماعى، بهذه الأجساد دفعت مصر فاتورة.. عبورها إلى المستقبل.

ثورة المدينة بعد سنوات تزييف، وعسكرة، صنعت جمهورية أبوية، تقدِّس الرئيس وتعتبره أبًا فوق النقد، البطريرك يصعد القصر ويبقى إلى الأبد فى حماية طقوس عبادته، «.. ليس من قيمنا أن نُخرج الأب بهذه الطريقة» قالت أجهزة الدعاية السوداء محرضة على «الأبناء الضالين».

أين تلك الروح التى أخرجتنا من البالونات ودفعتنا إلى الكلام مع الغرباء دون خوف؟ أين روح تحدَّت الأوغاد الذين أرادوا أن يكون انحطاطهم قَدَرَنا.. ومصيرنا؟

الشاب خرج من المحطة وسأل بطمأنينة تواصل فيها مع غرباء هاربين من قنابل الغاز.. بينما كنا قبل قليل نسخر من صديقنا القديم فى السياسة «ناصر أمين» حين توجه إلى ضابط الشرطة فى مفترق شارعى عدلى وشريف وسأله: أين المظاهرات يا حضرة الضابط؟

وكان رد (ناصر) على السخرية: لا بد أن يتعلموا ثقافة المظاهرات.. هذا المنطق كان يعبر عن شىء جديد/ ذبذبة غير محسوسة ولم يكن تقييمها فى تلك اللحظات ممكنا/ لأننا أمام مغامرة/ نخرج فيها من كهوفنا وسواتر العزلة وعلبنا الشخصية/ إلى قلب شارع تهندسه السلطة لتتحكم فيه وفى حركاته.

كان الخروج من هذه العلب أول ملمح قابلته يومها حين كسرنا حاجز الكلام مع الغرباء.

كان هذا الخروج.. هو الثورة تقريبا.

أين ذهب الشاب الذى لبَّى النداء الافتراضى؟

.. أسئلة لا تهتم برواية الأوغاد عن الثورة..

لقد صدق اللواء العادلى إذن..

ومن قبله الأستاذ شيحة.

ومن قبلهم جميعا الأستاذ محمد حسنى مبارك الذى جعل للانحطاط دولة له أركانها وأعمدتها تتغذى على العفن والخضوع له..

.. أسئلة تحاول التأمل فى لحظة الانتظار هذه.. هل قتلْنا الشهداء بمنحهم بعض الأمل فى حياة جديدة؟

هل نصدق العادلى وبقية العصابة عندما يبكون على دولتهم التى دمرتنا ونشرت عفنها فى كل زاوية..؟ هل نصدقهم أم نصدق أحلامنا فى دولة نعيش فيها محترمين دون حكم الأوغاد؟

هل نصدقهم..؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.