وائل عبدالفتاح يكتب | ولا حتى هتفشلوا

وائل عبدالفتاح يكتب | ولا حتى هتفشلوا

وائل-عبد-الفتاح

« إحنا شعب يستاهل..»..

لماذا؟

لماذا تتردد الفكرة كأنها حكمة كونية «نستاهل الديكتاتورية والكرباج والقهر والتوحش…».

فكرة أطلقها حكام يرون أنفسهم أعلى، وتوارثوها من الخديو إلى الفيلد مارشال.. هم أصحاب البلد والشعب زينة الحُكم، لكنه العبء الأكبر أو العالة التى تعانى طبقة الحكم ومؤسساته من تخلفه.

هذه هى بنْية الحكم وصندوقه الأسود.. «نحن أصحاب البلد وأنتم رعيتنا التى يجب أن تحمد ربنا أننا نرضى بكم».. «لماذا نستحق هذا المصير.. ونظل محشورين فى وضع بين.. بين..؟».

لن تسمع إجابة ممن توسَّد مخدع المعرفة الكونية ويجلس منتفخًا باليقين الخادع.. ذلك اليقين الذى لا يجعلنا نصل حتى إلى مصير «الهنود الحمر»، فننقرض أو ننزوى فى هوامش البشرية.. سنظل هكذا معلقين ننتظر المنقذين الفاشلين أو البرابرة الذين خرجوا من تحت جلدنا.

هربتْ إذن الثقة التى ولدت فى ميدان التحرير، واستبدلت بها حكمة الأقدار المعلبة.. نتجرعها مثل فوار مسكّن.

سائق التاكسى أصر على أننا «جنس وحدنا..»، خلقَنا الله لنعيش فى هذا التيه العظيم.. «هو لم يقُل التيه لكننى تخيلت الصورة وهو يتحدث أحاديث أسمعها منذ سنوات وأرى فيها الشعب معلَّقًا، لا هو من المتحضرين ولا من البدائيين… مثل هلام لا يسقط ولا يطفو.. أو مثل عفاف راضى التى فاجأها حسين كمال حسب الحكاية/ لا الواقع وبعد أن رفضت عرضه بالتمثيل فى فيلم بعد تكسيرها الدنيا فى فيلم مولد يا دنيا».

حسين كمال قال لها نبوءته المدهشة: «.. ولا هتفشلى حتى…»، أى ستظل معلقة لا تنتمى إلى عالم.

هل وصل «الشعب» إلى مرحلة عفاف راضى؟

لم أقُل للسائق ما سمعته من مسؤولين أوروبيين قابلوا السيسى وقال لهم: «.. أنا هنا من أجل مصلحة شعبنا.. وعندما أتخلى عن الشعب سيقف ضدى الجيش».

لم أسأله هل الشعب الذى يعيش معلقًا هو الشعب الذى يتحدث عنه السيسى؟

لم أقُل له إن السيسى كرر للمسؤولين فكرته «.. أنقذت مصر من مصير سوريا والعراق…» ولم أشرح للسائق أن «مصر ليست سوريا ولا العراق.. مصر دولة نسيجها الاجتماعى مستمر، وليس صنيعة سايكس بيكو…» لم أضغط له على ضرورة التفكير فى ما يقال: «.. كيف تصبح مصر سوريا أو ليبيا أو عراق وتركيبتها غيرهم.. وكما أن مصر ليست تونس… فإنها لا تشبه بلادًا أخرى… ولا يجب أن يعاد بناء نظام أو تحبط الأحلام فى جمهورية جديدة خوفًا أو رعبًا من المستقبل..».

فوضوية ثورية تلهث وراء سؤال يتكرر: ما العمل؟

لا تقبل الفوضوية بنصف إجابة، ولا تُبنى على نصف الخطوة، إنها حالة مطلقة، لا تهادن مع الظروف ولا صراع القوى، وتمنح بطيفها الواسع، نوعًا من البرادة، والعفوية، تتصادم أحيانا مع العقل أو الخبرة السياسية.

الصدام يصنع عملية فرز جديدة على السياسة فى مصر، آلاف يدخلون المسرح بفوضوية تحطيم الآلهة، بينما العقلاء والحكماء يعتمدون خطابا براجماتيا، يحافظ على إله لاستخدامه فى التخلص من بقية الآلهة.

الجيش دخل المعركة إلى آخرها، كان الإله الذى راهنت عليه براجماتية الحكماء، وهرب منه نقاء الفوضوية، وكسرته مع بقية الآلهة.

نحن فى لحظة صمت: الجيش أزاح الآلهة وقادهم إلى المزرعة، لكنه لم يعد إلى الميدان بأسطورته الأولى، إنها لحظة تشكُّل، تشترك فيها كل العناصر: عبيد الديكتاتور، بعاطفيتهم المترهلة، والفوضويون بشحناتهم المطلقة، والحكماء بارتباكهم فى لحظات الحسم… تشترك كل هذه العناصر فى إعادة تخصيب أرض السياسة.

 

هل يخططون للعودة؟ ماذا كانت ترتدى الرئيسة الأم، ناسجة شبكة عائلتها من أجل الخلود؟

الفضول فى التلصص على حياة الأقزام الآلهة ربما بالنسبة للبعض هى منتهى الثورة وكل أملها.

ربما هذا الفضول هو متعة أخفاها السائق ويستمتع بها الشعب بعد أن يعود إلى مخادعه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستورالاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.