وائل عبد الفتاح يكتب | تأبيدة الفشل

وائل عبد الفتاح يكتب | تأبيدة الفشل

وائل-عبد-الفتاح

الباشمهندس محلب فعلها وانتصر للأخلاق والمبادئ والتقاليد.. ومنع فيلم هيفاء وهبى.

 

الباشمهندس قبلها بأيام.. التُقطت له صورة وهو يضع يده على مقود سيارة جيب شيروكى جراند.. فخر «صناعة التجميع» فى مصر..

 

والباشمهندس تعب كثيرًا قبلها فى الاتصال بالمحطات الفضائية لكى «يقفوا مع الحكومة فى أزمة استخدام الفحم…».

 

وقبل كل هذا وذاك لم تشغل قضية ولا أزمة بال الباشمهندس محلب أكثر من هدم مبنى الحزب الوطنى على الكورنيش…

 

هذا هو محلب.

 

وعقليته التى اختير بها من «كهنة» الدولة ليدير الحكومة فى تلك الأوقات الصعبة. محلب هو معجزة الجهاز البيروقراطى ودرة تاجه والعبقرى الذى سيفرم الأزمات فرمًا وسيعبر بالأداء الحكومى إلى مصاف النعيم والجنة.

 

هذه هى صورة محلب/ الرجل الذى يعمل ٢٤ سنة/ ويا ليت كل الوزراء يعملون مثله/ هذه هى الصورة المنتشرة والدعاية المصاحبة لظهور من سميته لحظة توليه الحكومة «رجل الاستعراض».

 

مشكلة محلب ليست مع هيفاء ولا سينما السبكى كلها/ ولكن فى أنه يضرب بالقانون عرض الحائط عندما يريد، أو بالتحديد عندما يتصور أن ما يفعله سيحقق له نجاحا فى استعراض «رجل الأخلاق الأول».

 

الاستعراض يتم بنفس آليات قديمة/ مستهلكة واستخدمت فى كل الأنظمة ولن ننسى واقعة حدثت مع نجوم بشهرة النجمين عادل إمام ونادية الجندى (فى فيلمهما المشترك خمسة باب) أو يسرا وأحمد زكى (فى فيلم درب الهوى) حين منعه وزير الثقافة وقتها، بينما كان يعرض فى دور العرض/ وظل الفيلمان ممنوعين عدة سنوات، عُرضا بعدها/ لأن القانون لا يسمح بهذه الجريمة (نعم جريمة ولو كان الفيلم مبتذلا.. كما أن التعذيب جريمة ولو كان الضحية من الأشقياء عتاة الإجرام.. الحديث هنا حق وقاعدة وليس تصنيفا تضعه السلطة أو الطبقة الحاكمة أو المحافظون أخلاقيا أو حتى النخبة التى تحب السينما الرفيعة).

 

استعراض الباشمهندس محلب قديم وتم تجريبه/ بالضبط مثل بقية الفخر بإعادة تجميع سيارة.. وكما هو المعروف فالفخر يتعلق بشىء خارج العادى (يعنى أن تكون نسبة التصنيع المصرية ارتفعت بما يعنى تقدمًا فى الاقتصاد أو أن الهيئة العربية للتصنيع التى جمعت الشيروكى اختارت سيارة تخص طبقة أوسع أو تحل مشكلات أكثر إلحاحا).

 

هذا التفاخر بتبنى الحكومة وشركاتها مهام «الوكلاء» لشركات سيارات عالمية هو انحياز لمفهوم البروباجندا فى الاقتصاد، والتى لا تنظر إلى أبعد من لحظة بيع السيارة.

 

لا فرق هنا بين شخص يدير شركته/ ورئيس حكومة يدير مؤسسات بلد كامل.. وفى لحظتها التالية لرغبة التغيير على العقلية المنحطة فى إدارة السياسة والمجتمع والاقتصاد.

 

الباشمهندس يدير البلد والدولة كأنه يدير شركته.. وعندما يطالبه العمال والموظفون بحقوقهم يرفع فى وجوههم سجادة الصلاة ويقرر تخصيص مساحة للصلاة الجماعية فى مبنى الإدارة.

 

محلب لم يتجاوز صلاحيته إلا عندما «سمع» عن فيلم ضد التقاليد.. لم يفعل ذلك عندما طالبته قوى اجتماعية وسياسية بالتدخل لوقف اغتصاب المساجين وتعذيب الرجال والنساء فى الأقسام السجون!

 

ولأنه قديم يعيش فى عالم معزول تماما/ ويريدنا أن ننسحب معه إلى هذا العالم الافتراضى/ فقد انتهى زمن منع الأفلام/ لم يعد له جدوى.. وهكذا أراد الباشمهندس رئيس الحكومة أن يصور استعراض سلطته على أنه أخلاق.. رغم أن الناس تذهب إلى السينما بكامل إرادتها وتدفع تذاكر، ومن لا يحب هذه الأفلام (مثلى) أو تستفزه أخلاقيا (مثل الذين سمع منهم محلب).. يمكنهم أن لا يذهبوا إلى السينما.

 

ليس من مهام الحكومة أن تعلِّم الناس الفضيلة/ ولا أن تفرض مقياسا للأخلاق/ الحكومة من مهامها حماية الحقوق والحريات/ وهذه أخلاق الحكم الرشيد/ أما فى الدولة المجنونة بديكتاتوريتها فإن كل من يجلس على المقاعد الوثيرة أو يتصدر الشاشات سيخرج الإرهابى المتسلط الذى بداخله ويتصور أنه يعلّمنا الأدب.

 

إنه عقل المقاول الذى يسيطر على الباشمهندس محلب ولم يبتعد عنه/ أقول المقاول وليس المعمارى/ الأول عقله عملى يهمه كيف يسيطر على الأرض بكل وسيلة/ وكيف يوفر فى العمالة وكيف يبيع للزبون البضاعة.. أما المعمارى فيهتم، وهو يصمم ويبنى، بما هو أوسع مثل حقوق الخصوصية/ احترام المجال العام وغيرها من قيم تتعلق بالجمال والحرية والخير الذى يخص الجميع.

 

محلب يدير الحكومة بمنطق المقاول/ الذى يغطى على فشله بغلوشة أخلاقية/ ويختار مفهمومًا للقيم يخدم مصالحه ومصالح من يمثلهم/ وهنا سنرى هدم مبنى الحزب الوطنى بدون احترام، إلى أنه، وبحالته هذه، رمز للثورة على الاستبداد والفساد الذى كانت تدار عملياته من هذا المبنى.. لم يفكر، لأن الحكم بالنسبة إليه «مقاولة» وليس «معمارًا».

 

وفى دول أخرى تريد أن تنسى مراحلها السوداء تحتفظ برمز يجسد التخلص منهم (سجون حرقت أو متاحف هولوكوست دمرت)/ لتكون ذاكرة حية.. وعلى العكس يبدو من إلحاح محلب أن المهمة التى جاء من أجلها.. «مقاولة هدد تُنسى من ينتمى إليهم أن «الشعب» ثار عليهم.. ومن أجلهم يريد استيراد الفحم لتدور ماكينات أرباحهم من جديد.

 

هكذا محلب.. يخرج الإخوانى الذى بداخله بعد أن كان المرسى وحكومته تخرج المستبد الذى بداخلهم..

 

ألعابهم قديمة وأدواتهم مستهلكة ولا شىء لديهم سوى عودة جريان المال فى أرصدتهم.. مصر تعيش تأبيدة الفشل.

 

المصدر:الدستور

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.