أحمد الدرينى يكتب | أخي جاوز «الشامخون» المدى!

أحمد الدرينى يكتب | أخي جاوز «الشامخون» المدى!

أحمد-الدريني

(1)

«يُدعى بالقاضي العادل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب، ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عُمره».. حديث شريف

(2)

لا أظن أن قاضيا تعامل مع قضية شديدة التعقيد مثلما تعامل القاضي عبدالغفار محمد مع قضية الجهاد الكبرى، في بداية الثمانينيات، التي أحيل له فيها 302 متهم تطالب النيابة بإعدامهم جميعا.

وقعت القضية في نحو 50 ألف ورقة، وضمت متهمين متبايني الخلفيات والقناعات والاتهامات، رغم تحدرهم جميعهم من التيار الإسلامي، وكان على رأسهم عمر عبدالرحمن وعبود الزمر وأيمن الظواهري.

واللافت في القضية هو تكنيك القاضي رحمه الله، وأسلوب تقصيه للحقيقة، ودراسته المتعمقة التي امتدت قرابة 3 سنوات لكل أركان القضية ولكل شهادات المتهمين تقريبا.

أعد «عبدالغفار» ملفا لكل متهم على حدة، واستمع لآرائهم وشهاداتهم وسألهم عن قناعاتهم وعقائدهم وعلام بنوها وكيف تبلورت في نفوسهم، ثم شرع في مقارنة النصوص الدينية التي يستندون إليها مع ما فعلوه على أرض الواقع، وأخذ في مضاهاة نصوص القانون التي بين يديه مع أفكار المتهمين، وسعى بطريقة معقدة لإيجاد مواءمة قانونية واجتماعية ونفسية للحكم عليهم.

ويبدو أن الاستقصاء الذي كان يبذله المستشار عبدالغفار محمد، هو الذي منحه هذه الأرضية الصلبة في تكييف أحكامه، ففي السبعينيات وأثناء وجوده في هيئة الحكم في قضية «الفنية العسكرية» أرسل للأزهر يستشيره في (معرفة رأي الشرع في مسألة الخلافة الإسلامية، والخروج على الحاكم، وهل هناك نصوص في القرآن تبيح ذلك، وسأل عن ثلاث آيات في سورة المائدة.. مثل قوله تعالى «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون» وفى آية أخرى «الظالمون» وآية ثالثة «الكافرون».

ثم طلب من شيخ الأزهر أن يوضح المعنى المقصود في الآية، فقال في تقريره (إن المقصود بـ«أولئك» في الآية هم اليهود وإن الآية تتحدث عن اليهود وليس المسلمين).. وفقا للحوار الذي أجري مع القاضي عبدالغفار محمد قبل سنوات قليلة على صفحات «المصري اليوم».

وفي قضية الجهاد الكبرى استمع لـ4 ساعات متصلة لمرافعة عمر عبدالرحمن عن نفسه، والتي جمعها عبدالرحمن في كتابه «كلمة حق» فيما بعد.

يقال إن عبدالغفار كان يوبخ المحامي الذي لم يدرس ملف موكله جيدا، وإنه تقريبا كان يحفظ تفاصيل كل متهم وموقفه وأوراقه بمسؤولية مدهشة، وبرغبة صادقة في الوصول لحكم عادل بشأن كل متهم على حدة.

استغرقت القضية عدة سنوات حتى النطق بالحكم في 30 سبتمبر عام 1984، والتي انتهت ببراءة 190 متهما، و33 حكما بالسجن ثلاث سنوات، فضلا عن سبعة عشر متهما أخذوا أحكاما بالمؤبد، وباقي المتهمين حكم عليهم بالسجن خمسة وعشرة وخمسة عشر عاما .

(3)

تزخر أدبيات التيار الإسلامي التي تطرقت لقضية الجهاد الكبرى بإعجاب مبالغ فيه بشخص القاضي عبدالغفار، وثناء مفرط على شخصه وعلى أحكامه، رغم استنادها لـ«القانون الوضعي» من وجهة نظرهم، ورغم إدانتها لأكثر من 100 متهم من إجمالي الـ302.

ويبدو أن إعجابا وتعاطفا ملحوظا نشأ بين الطرفين، القاضي والمتهمين، على مدار قرابة السنوات الثلاث، عمر نظر القضية، استشعر فيه المتهمون أن القاضي متجرد بالفعل من هوى الدولة في إدانتهم، وأنه على نحو ما يتحرى الفارق الحقيقي بين نصوص الإسلام وقناعات المتهمين، وأنه ربما يوافقهم في بعض ما ذهبوا إليه، وربما يخالفهم في بعضه.

ورغم ما استشففته من تقارب أفضى إلى تعاطف بين الجانبين، ورغم إدانة جزء من المتهمين وتبرئة آخرين، فإن القضية انطوت على حال من التراضي المدهش بين القاضي والمتهمين، بل ربما الدولة نفسها!

والشاهد الذي أتأوله هنا، أن القاضي حين يمارس دوره في بحث مواقف المتهمين، وبحث ملابسات الاتهام وسؤال كل فرد منهم على حدة حول عقيدته، وقياس المسافة بين الفهم والتصرف والدين والقانون والمصلحة العامة، فإن الحكم في تكييفه وتحييثه يخرج مغموسا في روح العدالة… أو ما هو أقرب إليها.

وحين يسترجع الواحد جهد المستشار عبدالغفار محمد ومنهجه في التعامل مع القضية، يضطر اضطرارا لإجراء مقارنات بين قضايا مشابهة وجهود غير مشابهة تنتهي لنتائج كارثية عادة!

(4)

نظر القضاء المصري (الذي لا يجوز التعقيب على أحكامه) عدة قضايا مثيرة للجدل- والأسى قبل الجدل- عبر السنوات الثلاث الأخيرة، من قضايا قتل المتظاهرين للمجازر التي تلتها لقضايا الإخوان وأحداث العنف التي تورطوا فيها، وكثيرا ما جاءت الأحكام صادمة للرأي العام فيما انتهت إليه..سواء مما اعتبره الضمير المجتمعي تبرئة غير مفهومة لـ«مجرمين» أو إدانة مبالغا فيها لـ«مجرمين» أيضا، ومعهم عدد لا بأس به من الأبرياء.

لستُ دارسا للقانون كي أتطرق لطبيعة عمل القضاء والآليات التي ينتهجها في إصدار أحكامه، ولست مخولا للتعليق على ما لا أحيط به علما (كافيا)، ولستُ متنازلا عن وقت فراغي لأقضيه أمام مكتب النائب العام خاضعا لتحقيق بتهمة «إهانة القضاء» أو التعليق على أحكامه.

لكني- كمواطن مصري- أو كشخص عاقل راشد، أمد الخطوط على استقامتها، وأقارن بين موقف قاض أحيل له 302 متهم، فتعامل مع الحدث بمقدار فذ من المسؤولية والضمير، وفي لحظة لا تختلف كثيرا في تعقيدها عن اللحظة الحالية. ثم أقارن المنهج والمآل.. بالأمر الواقع وبإدانات بالجملة، كان من الممكن أن تنتهي إلى نتيجة أخرى أو صيغة أخرى أكثر واقعية (في نسبة التبرئة أو الإدانة) وفقا للخلفيات والملابسات، على نحو يبدو الحكم فيه متسقا مع القانون والعدالة، ويبدو مستندا إلى قدر من الفحص والتأني الحقيقي.

(5)

«القضاة ثلاثة:قاضيان في النار وقاض في الجنة. قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمدا فهو في النار، وقاض قضى بغير علم فهو في النار«.. حديث شريف.

(6)

جوهر التراضي العام هو وجود قاض عادل، يشهد مسلكه في القضية بنزاهته وتجرده، وسعيه وراء الحق، بمعزل عن أي طرف سيرضي وأي طرف سيغضب.

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.