أحمد الدرينى يكتب | الفرعون المصري والوالي العثماني.. كواليس شخصية في معركة دولية

أحمد الدرينى يكتب | الفرعون المصري والوالي العثماني.. كواليس شخصية في معركة دولية

أحمد-الدريني

عندما كنت صغيرا كنت أتعرض للضرب، ولكنني كنت أقول للضاربين حين أكبر سأضربكم.. هكذا قال السيسي في تلميح (بدرجة تصريح) عن نواياه المستقبلية تجاه أردوغان.

ربما هو أخطر ما قال السيسي على الإطلاق. إذ إنها تكاد تكون أول جملة مكتملة الأركان يقولها الرجل، مبتدأ وخبرا ومعنى تاما.

السيسي عادة ما يتفرع منه الحديث في منتصف «الجملة»، وعادة ما يستخدم السكتات والهممات بدلا من الكلمات، الأمر الذي يجعل من الإمساك بما يقول بدقة، عملا عسيرا.

صديقي الطبيب النفسي كان يقول لي: هناك مشكلة في هذه الطريقة من تداعي الأفكار والتعبير عن الذات، الراجل لا يكمل جملته، ولا يحكي حكاية تقريبا حتى نهايتها..أظن أنني لو طلب مني تحليله نفسيا سأصبح أنا في مأزق، أو سيصبح هو!

في حين كان يذهب البعض إلى أنه يتملص من الالتزام بجملة بعينها أو وعد بعينه، هو يريد أن ينجز دون أن يعد، وهو شخص لا يحب المحاسبة، وهو ما كان ينسحب على بناء جملته وشتات كلماته.

وما بين خلفية الرجل المخابراتية التي تجعله دوما متقافزا بين الجمل والأفكار دون أن تمسك منه أو عليه شيئا، وما بين طريقته الخاصة في العمل، يتضح أنه شخص لا يريد أن يعاينه أحد أو يطلع على نواياه.

في جملة السيسي معان شتى لو تأملتها.

فهو رجل تتماثل في ذهنه المواقف الدولية مع ذكريات الطفولة، ويسري على الطفل الأكبر منه ما يسري على الدولة الأكبر منه.

وهو رجل يتحدث مع خصومه «كنت أقول للضاربين».

وهو رجل يهدد ويتوعد ويتحين «حين أكبر سأضربكم».. هو يدرك أن لكل شيء ميقاتا معلوما، وهو دوما يعول على المستقبل في مداواة جروح الأمر الواقع.

وهو كما كان طفلا يتخيل أنه سيزداد قوة مع الوقت وسيتمكن من الانتقام، فإن دولته الطفلة الهشة ستكبر يوما ما وتنتقم.

(2)

بطبيعة الحال وبالتجربة، لا يفصح السيسي عن نواياه، فالرجل الذي قال في مارس 2013 إن الجيش لو نزل ستعود البلاد للوراء 40 سنة، كان هو نفس الشخص الذي يجهز لنزول الجيش.

وقد قيل، طبيعة السلاح وخلفية المعرفة تؤثر على طريقة اتخاذ القرار وطريقة تنفيذه. والرجل جاء من خلفية مخابراتية، تعول عادة على ضربات قوية مكتومة محدودة الشهرة.

ولكن لماذا خرج عن صمته، وأفصح عن مكنونه واضحا هذه المرة في الرد على أردوغان؟

(3)

في تقرير صحفي على موقع دوت مصر، نشر في يونيو الماضي، يذهب كاتب التقرير الزميل أحمد الفخراني، إلى أن أحد أبناء عمومة عائلة السيسي، هو جد حسن النعماني، بطل شخصية مسلسل أرابيسك، الذي تم اختطافه أو «شحنه» قديما للأستانة كي يستغل الوالي العثماني جهوده في تزيين بلاطه.

لو صح التقرير أو حتى تشابه مع الأمر الواقع قليلا، فإن تراكمات الذاكرة بين السيسي والأتراك، ليست طيبة بحال من الأحوال. فهم لصوص تاريخيون تعاقبوا على نهب خيرات هذا البلد، وسرقة عقوله الفذة (جد السيسي).

وحتى علاقة القاهرة بالأستانة تاريخيا، كان فيها من الخضوع الشكلي في عصر محمد على أكثر ما كان فيها من الخضوع الفعلي. فقد تحين محمد على الحين واستقل عمليا عن الأستانة حين اشتد عود دولته وقويت شوكته، رغم إبقائه على الولاء النظري للعثمانيين.

وفي التاريخ تكرارات وإلهامات.

(4)

أردوغان من ناحيته لديه كراهية أصيلة تجاه «العسكريين». فمنذ سنوات وهو في صدامات متكررة مع قادة الجيش التركي وضباطه. ففي 2010 بمفردها تم توجيه تهمة التآمر لقلب نظام الحكم لـ196 شخصية تركية من بينها قادة عسكريون. وفي أغسطس 2013 أصدر القضاء التركي أحكاما بالسجن مدى الحياة ضد رئيس الأركان التركي السابق إيلر باشبوغ وضباط سابقين في الجيش متهمين بالسعي للإطاحة بحكومة أردوغان.

علاوة على تاريخ الجيش التركي في إجهاض حكم الإسلاميين قبل ذلك بصورة جعلت العداء بين الطرفين سافرا ومقيما.

فضلا عن مرارة ما انتهت إليه تجربة نجم الدين أربكان الموصوفبالأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا، والذي واجه الحبس وهو فوق السبعين من العمر، بعدما كان رئيسا للوزراء في التسعينيات.

ومن ثم فإن أردوغان لا يفصل في عدائه للسيسي، عداءه الشخصي لـ«عسكريي» بلاده الذين تتوتر بهم علاقته مع مرور الأيام. ويرى في إطاحة السيسي بمرسي والإخوان في مصر، نجاحا للسيناريو الذي يناوش كوابيسه في تركيا، ومن ثم فإنه في عداء شخصي مباشر مع السيسي، نموذج السيسي، وإلهامات الحالة المصرية في إطاحة «العسكري» بـ«المدني المنتخب».

ثم أردوغان هو لسان التنظيم الدولي وواجهة الإخوان الأخيرة والبارزة على الساحة الدولية، وهو ما يتطلب من مهمته في مخاصمة السيسي أن تكون أكثر التهابا وضجيجا، كنوع من التعويض النفسي للتنظيم الجريح.

ومن ناحية أخرى لا يجوز إغفال ميل أردوغان للأداء التمثيلي وإطلاق التصريحات النارية، والذي تجلى في محافل دولية كثيرة، يبدو فيها أن إدراكه لأبجديات البروباجندا يتوازى مع مهاراته البراجماتية الفائقة.

كل هذه العوامل إذا ما وضعت جوار بعضها البعض، ربما ستفسر كواليس التشاحن بين الفرعون المصري والوالي العثماني على نحو أدق.

(5)

يُسأل السيسي بمفرده عن التوقيت الذي سيعتقد فيه أنه «كبر» بالفعل، كي يضرب ضاربه. كما يسأل أيضا عن نوع الضربة التي سيوجهها.

ولكن الأكيد بعد موقعة نيويورك، أن مصر وحلفها الإقليمي في بزوغ، وأن تركيا وحلفها القطري في اضطراب.

راقب الشيخوخة التي تزحف لملامح أردوغان، وراقب في الناحية الأخرى ابتسامة الطفل المتورد الوجنتين «عبدالفتاح السيسي».. وهو ينمو ويكبر ويتأهب لضرب رجل أوروبا المريض.

أو هكذا توعد وزعم. وهكذا تذهب شواهدي الشخصية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.