أحمد الدرينى يكتب | «صولة الأنصار».. هل رأيت الإخوان في هذا الكادر؟

أحمد الدرينى يكتب | «صولة الأنصار».. هل رأيت الإخوان في هذا الكادر؟

أحمد-الدريني

لماذا رأيت «الإخوان» على امتداد 29 دقيقة من فيديو «صولة الأنصار»؟.. يظهرون حينا ويختفون حينا، ويتشوش وجودهم حينا آخر؟ لماذا تفلتت علامات حضورهم ولو رغما عنهم؟

تعال نناقش الشواهد سويا.. ربما نصل لشيء جديد..

(2)

الذين شاهدوا القائد «أمير خطاب» أحد أبرز «المجاهدين» العرب الأفغان الذي اغتيل عام 2002.. ربما ستعاودهم صورته مرة أخرى لدى مشاهدة فيديو «صولة الأنصار» الذي أعطى اللعبة كلها أبعادا أخرى لم تكن في الحسبان.

فالشخص الذي ظهر في بداية الفيلم تحت اسم «أبوحمزة الأنصاري»، مرتديا بذلة عسكرية وتي شيرت أسود يحمل علم القاعدة، بدا بجسده «المتين» وبشعره المنسدل على كتفيه كما لو كان يعيد تمثيل مشهد من مجمل فيديوهات أمير خطاب!.

الفيلم بأكمله، رغم الانتاج الفني عالي الجودة، يبدو كما لو كان تنويعة على أفلام التسعينيات الجهادية من «جحيم الروس» لـ«بدر البوسنة»، ويبدو مشبعا بروح الحنين إليها، ومتأثرا بها ولو لا شعوريا إلى أقصى مدى ممكن.

وبقدر ما أثار الفيديو من جدل، من نواح عدة، على رأسها مدى صحته من عدمها، إلا أن هناك عدة ملاحظات لا ينبغي إهمالها، إذ إنها قد تكون النافذة الأكثر قدرة على تفسير ما جرى.

(3)

لماذا تم الاعتماد على تسجيل صوتي لقراءة قرآنية بصوت الشيخ محمود خليل الحصري دون غيره من المشايخ والقراء؟

ربما يكون من المدهش أن تكون قراءة الحصري للقرآن هي القراءة التي يتم تزكيتها داخليا في صفوف «الإخوان» للمساعدة على حفظ القرآن، إلى الحد الذي بدا اعتمادها فيه كما لو كان متلازمة تنظيمية بأكثر منها تزكية ترتكن إلى عوامل موضوعية على رأسها وضوح وسلامة نطق الشيخ الحصري بصورة تصلح للتعليم على نحو مميز.

ربما يبدو للبعض الربط متعسفا أو مبالغا فيه..لكن روح الفيلم ككل حفلت بحضور إخواني أحاول رده لمرده الحقيقي.

فقد ابتدأ الفيلم بقول «الراوي» أن المعركة بدأت ضد الجيش المصري وأن «الحق يحشد أجناده»..والجملة الأخيرة تحديدا جملة من نشيد شهير كان يتردد بين أشبال الإخوان في التسعينيات (هو الحق يحشد أجناده.. ويعتد للموقف الفاصل.. فدكوا الجحافل آساده..ودكوا به دولة الباطل).

الأمر الذي يجعل استخدام تعبير بهذا التركيب اللغوي الخاص ليس أمرا عابرا ولا صدفويا، بمقدار ما هو كامن في نفس قائله، وراسخ في عقله.

ثم حالة التأثر الواضحة بأفلام جحيم الروس وبدر البوسنة، وهي الأفلام التي طالما اعتمدت ضمن المناهج التعليمية لدى الإخوان في مطلع التسعينيات، تعكس ميلا بعينه وتأثرا لا يخفي من الناحية الفنية على الأقل.

ثم لماذا تأبه أنصار بيت المقدس أو داعش بالإخوان في سجونهم؟

داعش نفسه قال إنه إذا دخل مصر سيقتل «المرتد الكافر» محمد مرسي! فلماذا إذا يتحدث أفراد أنصار بيت المقدس (الذين بايعوا داعش) عن «الإخوة» و«الأخوات» في سجون السيسي؟

آخر شخص تحدث في الفيديو والذي كان يرتدي جلبابا أسود، تحدث بصورة عصبية جدا عن المعتقلين في السجون، واعدا إياهم بتحريرهم؟ في فقرة هي الأطول ضمن جسم الفيلم!

(4)

الأمر الذي يطرح عدة سيناريوهات أمامنا..

فإما أن داعش (وممثلها في مصر أنصار بيت المقدس) قد تفاهما سويا مع الإخوان، وأننا بصدد تحالف جديد يعلن عن نفسه صراحة بين الأطراف جميعا.

وهو السيناريو الذي تزكي فرصته ما نقلته وكالة أنباء أسوشيتد برس قبل يومين عن اجتماع داعش والنصرة وخراسان وأحرار الشام وأنصار الأقصى بغرض عقد اتفاق جديد يقضي بوقف الاقتتال بينهم وبين بعضهم البعض، إضافة لاعتماد ما يشبه اتفاقية دفاع مشترك بين التنظيمات الجهادية المقاتلة جميعا.

غير أن إمكانية عقد مثل هذا التحالف المعقد مع الإخوان، وبهذه السرعة، مع تبني أجندة عداوات الإخوان في فيديو كارثي مثل هذا، يبدو بعيدا بعض الشيء عن إيقاع الأمور، إلا لو كنا بصدد تغيير نوعي شامل في شكل المعركة.

(5)

والسيناريو الثاني المطروح، أن داعش وذراعها في مصر أنصار بيت المقدس، مجرد تنظيمات وليدة وناشئة بلا إرث حقيقي، وأن عناصر من قياداتها انتمت للإخوان أو تأثرت بهم يوما ما، لذا فإن شتات الهوية التنظيمية وتداخل عدة مذاهب وهويات في خطابها العام أمر يمكن فهمه.

ومما يرجح من سيناريو تشوش الرؤية وتداخل عدة خلفيات إسلامية سابقة، هو الاستعانة برأي العلامة أحمد شاكر المتوفى عام 1958.

فبغض النظر عن كون الاستدلال بمقطع من كتابه «كلمة حق» جاء خارج السياق تماما، وبدت الاستعانة بفتواه ضد المتعاونين مع «الإنجليز» غير ذات صلة مباشرة بالأمر الواقع، إلا أن الاستشهاد بآرائه يعكس من ناحية أخرى شيئا مختلفا.

فالجماعات «الجهادية» عموما، طالما اعتمدت على أدبيات بعينها للتكفير ولإثبات وجوب القتال ضد الدول، ولشرعنة قتل الجنود والمارة من المدنيين حتى توفر لها إرث فقهي ضخم يمكن الاعتماد عليه في أي وقت.

فلماذا لجأ «منتج» الفيديو إلى استشهاد بشيخ كانت جملة أعماله في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات؟ لماذا كان الالتجاء لهذا الماضي السحيق لولا أن الإطلاع عليه كان ضمن المكونات الفكرية لمنتج الفيديو؟

الغريب أن الشيخ الأزهري أحمد شاكر كان أحد الناقمين على «الإخوان» وأحد المناهضين لها، وله رد فعل شهير على جريمة اغتيال الإخوان للنقراشي باشا، كان يؤصل من خلاله لوجهة النظر شديدة الشيوع الآن، والتي تذهب إلى أن الجماعات «الجهادية» هي امتداد لجماعة «الخوارج»!.

ومن ثم فإن هناك حالة من عدم التجانس الفكري والفقهي والسياسي في هذا الفيديو.. كما لو كان يعبر عن جماعات متعددة لا جماعة واحدة.. وعن مرجعيات مختلفة لا عن كيان واحد متماسك ناضج.

(6)

الحاصل أن هذا الفيديو رغم بشاعته ووحشيته وإجرامه إلا أن الرسائل المتلفتة منه ربما تكون أهم بكثير في رصد ما يجري خلف الكواليس!.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.