ألوان ماتيلدا .. قصة قصيرة لـ مارك أمجد

حتى حينما كانا زوجين جديدين لم تقم ماتيلدا بتحميم بابا. لكن ها هي بقامتها القصيرة ويديها المعروقتين تسكب الماء الدافئ فوق ابنها أشرف. إمرأة كان شعرها يومًا بلون الشمس صار الآن رماديًّا على نحو يروق الفتيات. أما هو فكان ابنًا أصلع له مؤخرة سيدة وعينا طفل.

أرهقها تحميمه ومع ذلك أصرت أن تعد الغداء بنفسها. أمرته وهما جالسان إلى المائدة أن يصطحبها إلى المحل. سعد بذلك ناسيًا غرابة طلبها، فقد فقدت الرغبة في مغادرة المنزل منذ وفاة بابا. ثم فاجأته بطلب آخر لم يقل شجاعة، أن يدعوها منذ اليوم ب”تيلدا”، اللقب الذي أطلقته عليها حماتها منذ زمن بعيد. كانت يومها فتاة في العقد الثاني، لا تلحظ في الرجال سوى شواربهم الكثة وتهوى المغامرات. تذكر عدةَ مراتٍ ذهبت فيها سرًّا إلى السينما مع الشقية البلغارية جورجيا.

تنهدت من أعماقها ثم واصلت تناول طعامها، بينما تفكر في حال صديقتها البائسة. فلأنها كانت تبحث عمن يتفقد أحوالها، وجدت السكينة في أن تفعل هي ذلك بمن تبقى منهم. فالكل هاجر إلى أبناءه بالخارج أو ذهب إلى يسوع. وبالأمس حينما اتصلت بصديقة تعرفت إليها باجتماع الكنيسة، إذ بالأخيرة تخبرها بأن حالتها الصحية قد ساءت للغاية، وأن كاهناً صار يزورها في المنزل كي يناولها من الأسرار المقدسة.

***

خلف الواجهة الزجاجية كانت تقف فتاة محجبة ترتب الحقائب المعروضة. رأت أشرف وأمه قادمين فتركت ما تفعله ودخلت. احتضنت ماما وطبعت أربع قبلات على وجهها. أما أشرف فلم يبق طويلاً حيث خرج كي يخبر الزقاق بقدومه.

عادت الفتاة إلى خلف الواجهة مرة أخرى لتستكمل عملها. كانت تتسمر في مكانها دون أن ترمش لها عين، وحينما تتأكد من أن المتسوقين يحملقون في جمالها على أنها مانيكان، تصدر عنها حركة عشوائية تصيبهم بالذعر. فعلتها أكثر من مرة بينما تراقبها ماتيلدا، التي بالفعل غادرت المحل وانضمت للمارة رافضة أن تفوّت عرضًا كهذا.

دخلت المحل امرأة  لتشتري ولم تنتظر ماما لترى كيف ستتعامل معها الفتاة، بل استوت واقفة وراحت تعرض البضائع عليها بنفس همة الأيام الخوالي. ظلت تفعل ذلك حتى بعد أن شعرت بأنه ليس في المحل ما تريده الزبونة. رحلت الأخيرة فاستقرت ماتيلدا في كرسيها مرة أخرى تحملق في حجاب الفتاة وتتأمل ملامحها المفعمة بالشباب.

عاد الابن فوجد ماما لها عينا حصان وحينما تكلمت بدت مخيفة “اطرد المسلمة!”

***

كان الوقت متأخرًا حينما دخل الحانة أشرف ومعه أمه.

عرَّفها على شلته التي كانت من ضمنها أرملة أربعينية غالت في الاهتمام بمظهرها. ولا شك في أن ماتيلدا كرهتها، لأنها حينما كانت في مثل سنها اعترتها الرغبة في أن تكون مثلها تمامًا. وكعادتها حينما تقابل أي امرأة يعرفها ابنها من قريب أو بعيد، سألت نفسها إن كان من الممكن أن يتزوج منها. مستحيل. على أية حال يوماً ما سيفعلها. وستفرح من أجله نصف الفرحة، إذ إنه سيتخلى عنها.

سارت الأرملة نحو أشرف وأمسكت بيديه وراحت ترقص. وقف المسكين بجسد متيبس مُنَقِّلًا نظراته بين الجالسين بوجه شديد الإحمرار. ازداد تشبثها به وبدت رغبتها أكثر وضوحًا. أخذ الرجال يضحكون وكمؤامرة منهم لتشجيعه، راحوا يقرعون جوانب الكؤوس بالأشواك والسكاكين. شاركوهما الرقص فشجعه انضمامهم واندمج بقوة، لكنه في النهاية رقص كعريس متدين.

وسط زحمة المتحلقين شعر  بيد تربت على كتفه. التفت فرأى أمه تنظر له بوجه لم يألفه حتى في أعتى أيام طيشه. صفعته على خده، فتوقفوا جميعاً وتراجعت الأصوات. وحدها الأغنية ظلت تصدح على نحو جنائزي.

في الشارع سار هو وماما ببطء. كان يتساءل هل سيغفر له الرب إذا تركها هنا؟. أما هي فشعرت بأنها عائدة لمنزل لا يشبه بيتها في شيء. داعبتها نشوة قوية لحد شعرت معه بأن جسدها الهزيل هذا سيُختطف للسماء.

تتذكر جيداً تلك الليلة، التي مرت عليها سنوات طويلة تذكر عددها إذا سألها أحدهم. عبر هذا الزمن الثقيل هرعت رائحة مألوفة من مطبخ بشقة عروس وصعدت في أنفها الآن. هناك رأت ماتيلدا نفسها واقفة بشعرها الذي بلون الشمس وقميص نومها الأرجواني، وأمامها على المائدة كانت موضوعة كعكة البرتقال التي نجحت للتو في صنعها.

لبابا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.