أيمن الجندى يكتب | أستاذ لطيف

أيمن الجندى يكتب | أستاذ لطيف

د.-أيمن-الجندى1

طلبت روضة الرقم وهى ترقص فى الهواء: «رياض رياض رياض». كان صوته هادئا كالعادة، كأنه مستيقظ لتوه. قالت: «رياض يا روحى حمد الله على سلامتك خفت لا تقتلك آكا لطيفة». و(آكا) بالمناسبة تُستخدم فى العامية التونسية كاسم إشارة للقريب فى مجال الاستهزاء والتحقير.

رد رياض وهو يبلع ريقه: «إش بيها؟ إش صار لها؟» (بالمصرى جرى لها إيه؟).

قالت روضة فى غضب: «رياض ما تتخوبثش معايا (أى لا تتذاكى معى). يا أخى نسيت أنى قصصت لها شعرها؟».

قال رياض مرتبكا: «آ.. اتفكرت. هى كانت متغششة برشة». (يعنى متضايقة جدا. حتطق!).

وسمعت روضة صوت البلع، فقالت فى هدوء ينذر بالعاصفة: «رياض إيش تعمل توه؟ (يعنى بالمصرى بتعمل إيه دلوقت يا منيل)؟». رد رياض بالرد الذى تتوقعه: «أكل ساندويتش». كادت روضة تُصاب بالفالج. إنها لا تتذكر أنها رأته دون هذا الساندويتش اللعين. ولذلك وضعت روضة السماعة فى عنف.

فى الصباح التالى، ذهبت روضة إلى مكتب رياض فوجدته يأكل ساندويتشاً كالعادة، وأمامه رجل غريب لم تعرفه روضة من قبل.

قالت وهى تنسحب من الغرفة: «معذرة لم أعرف ان الأستاذ معك». ناداها رياض مندهشا: «أى أستاذ يا روضة؟». شعرت روضة بالإحراج، وأشارت فى غيظ إلى الرجل الجالس أمامه، ولكن يا للعجب! إنه يرتدى فستاناً أحمر!

وجاء تعقيب رياض كالصاعقة: «إنها لطيفة يا روضة». ونظرت روضة فى ذهول إلى الرجل.. آآآ أقصد لطيفة التى صارت كالرجل تماماً بعد قص شعرها! رجلا يرتدى فستاناً أحمر ويضع طناً من المكياج! ولكنها لم تكن غاضبة كما توقعت وإنما تجلس مقهورة مهزومة تماماً. كشمشون الجبار حين قص شعره فقد قوته! أحست روضة بندم بالغ حين شاهدت آثار الجريمة الشنعاء التى اقترفتها. بينما ظل رياض يواصل مضغ الساندويتش فى هدوء.

وانفجرت روضة فى البكاء وأسرعت بمغادرة الغرفة. ولليوم الثانى على التوالى غادرت المؤسسة دون استئذان.. دون أن تعلم أن هناك عيونا ترصدها. وذهبت بسرعة إلى حيث يبيعون الباروكة (معذرة فكاتب هذه السطور لا يعرف أين تُباع هذه الأشياء!). واختارت روضة أغلى بروكة وأقربها إلى لون شعر لطيفة الأصلى. كان سعرها باهظاً ويستنفد راتبها كله، لكن لا بأس. فهو أهون من تأنيب الضمير.

وهناك فى غرفة رياض راحت تبكى وهى تضع الباروكة على رأس لطيفة، بينما كان رياض يرمقها فى رضا وهو يلوك الشطيرة. قالت روضة وهى تنفجر فى البكاء وتحتضن لطيفة المستسلمة تماما: «سامحينى يا لطيفة. صحيح أننى دمرتك لكنى واثقة أنك ستسامحيننى». ولكن لطيفة ظلت منكسة الرأس حتى إن الباروكة تدلت على جبينها. زاد بكاء روضة وهى تقول: «صحيح أن رجلا لن يتزوجك أبدا بعد أن صرت قرعة. ولكنى واثقة أنك ستسامحيننى».

نكست لطيفة رأسها أكثر فسقطت الباروكة على أنفها. وهنا لم تملك روضة نفسها فقالت فى أريحية، وهى تشير إلى رياض: «خذيه فهو لك. سأتنازل لك عنه. تزوجها يا رياض».

تباطأ فكا رياض وهو يلوك الشطيرة وهز رأسه علامة الرضا. وهنا استشاطت روضة غضبا، ومن ثَم فقد نزعت الباروكة التى كانت الآن داخل فم لطيفة التى كانت تبكى وفمها مفتوح، ووضعتها على رأس رياض فى عنف، واندفعت كالعاصفة نحو الباب، بينما كان رياض يلوك الساندويتش فى هدوئه الأبدى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.