أيمن الجندى يكتب | أستاذ نبيل

أيمن الجندى يكتب | أستاذ نبيل

د.-أيمن-الجندى1

عرفه بمجرد أن دلف إلى غرفة الكشف. راح يتفرس فى ملامحه بفضول ويقارن بينها وبين ملامح الوجه القديم كما يتذكره. الشعر تراجع إلى الوراء. العينان منتفختان ثقيلتان. التجاعيد بددت ملاحة الوجه القديم. الوزن زاد كثيراً. وبرغم ذلك عرفه. الروح الكامنة فى أصل الأشياء والتى لا تتغير. نظر بسرعة إلى الاسم المدون على الملف فكان كما توقعه: «نبيل» أو بالأحرى «أستاذ نبيل».

جلس الأستاذ نبيل على المقعد فى تأدب أمام الطبيب اللامع المشهور. واضح تماماً أنه لم يربط لحظة بين اسمه واسم طالبه القديم المتيم به منذ ثلاثين عاماً بالتمام والكمال.

وللحظة هم الطبيب أن يعرفه بنفسه لكنه آثر التريث. جلسته المتحشمة جعلته يدرك أنه لا يذكره. ولعل وجهه تاه فى زحام الوجوه. ولعل أسماء كثيرة قد تعاقبت عليه خلال الثلاثين عاماً. ولعل أستاذ نبيل هو الآخر قد تغير. أستاذ الأحياء فى المدرسة الثانوية. وإن الذكريات لتهاجمه الآن بلا ترفق. وملامح العيادة لتغيب الآن عن ناظريه. ويحاول أن يستعيد ثباته بصعوبة. الفصل القديم المتسع. الدكك الخشبية المتجاورة. الاستيقاظ مبكراً. أستاذ نبيل.

وتظاهر بالإصغاء وأستاذ نبيل يقص عليه تاريخه المرضى بدقة تدل على عقل علمى مرتب. كالعادة به! كان الأستاذ نبيل وقتها شاباً فى نحو الثلاثين. شعره أجعد أميل إلى اللون البنى. أخضر العينين برغم ملامحه الريفية الوسيمة. قوى الشخصية. وحتى أشد الطلاب جموحاً كان يدرك أن أستاذ نبيل لن يقبل العبث معه. لذلك فرض احترامه على الجميع.

أصغى إلى شكواه ودعاه للرقود على سرير الكشف. وراح يتأمله وهو يتحرك بصعوبة. عمره الآن ستون عاماً. وهذا يدل أن فارق العمر بينهما لم يكن كبيراً. لكنه لم يفطن لذلك وقتها. فى تلك المرحلة من العمر يصبح لفارق عشر سنوات شأن كبير. كان وقتها مراهقاً يبحث عن مثله الأعلى. وقد وجده فى شخص الأستاذ نبيل. لذلك تُيّم به وراح يتبعه كظله. قدرته على الجمع بين التمكن من مادته العلمية وقوة الشخصية والتدين وصداقته للطلاب. معادلة صعبة لعله الوحيد الذى أتقنها. كان وقتها عازباً لم يتزوج! أتراه تزوج؟ نظر بفضول إلى خاتم الزواج فى إصبعه.

أجرى عليه الكشف ودعاه للنهوض. وراح يخبره برأيه ببطء توطئة لأن يكتب العلاج. والأستاذ نبيل يصغى إليه فى قلق. ما أعجب المخ البشرى حين يختزن كل هذه الذكريات! ثم يطلقها فى لحظة معينة.«جانا»! هل كان اسمها «جانا» أم «جينا»؟ لم يعد يذكر. الفتاة ذات الأصل الأرمينى، ناضجة الأنوثة برغم أنها تصغره بعام. والتى كان يراها يومياً وهما فى طريقهما إلى المدرسة. صاحبة البشرة التى جمعت بين الحليب والتفاح. والشفتين المليئتين اللتين جمعتا بين الفراولة والشهد! والقوام المرمرى المرجرج الذى كان يربك الشارع بأكمله. لكنها لسبب ما، حاولت أن تجذب انتباهه! ربما لأنه لم يهتم بها. وتحدثه ضاحكة وهو لا يرد. «جانا»؟ أين تراك الآن؟

استلم أستاذ نبيل الروشتة بيد مرتجفة. وبدأ يسير نحو الباب فى بطء. وفكر للمرة الأخيرة أن يعرفه بنفسه. لكنه أحجم عن ذلك. عيادته مكتظة بالمرضى ولا وقت عنده يضيعه فى المجاملات. وبالتأكيد سوف يطلب منه أن يستثنيه فيما بعد من الانتظار. وربما اضطر أن يرد ثمن الكشف له.

لذلك راح يرمقه صامتا وهو يغيب من الباب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.