أيمن الجندى يكتب | إسكندرية

أيمن الجندى يكتب | إسكندرية

د.-أيمن-الجندى1

وصلتنى «تسير على كورنيش الإسكندرية وحيدة فى ليلة شتوية قلما يخرج فيها أحد. تدس يديها فى جيوب معطفها المصنوع من الصوف الرمادى. مضت عدة أيام وهى تفعل الشىء نفسه كل يوم.. لا تدرى لماذا تشعر أنها فى انتظار أحد أو حدث يفسر لها لماذا تركت عملها وبيتها فى القاهرة وجاءت وحيدة! لا تفعل شيئا سوى أن تسير على الكورنيش حتى ينهكها التعب ثم ترجع إلى الفندق لتنام!

تعلم أن لها أصولا إيطالية أو يونانية. فقد حكت لها جدتها ذات مرة أن جدها الأجنبى كان يعيش فى الإسكندرية، وتزوج من امرأة أجنبية أيضا، فهى فى الأصل ليست مصرية، حتى لون عينيها الأزرق الصافى، رغم سواد شعرها الليلى، كان مثار إعجاب الكثيرين وسؤالها إن كانت غير مصرية! خاصة مع إجادتها عدة لغات وعملها كمترجمة للغة الإيطالية وتعاملها مع الكثير من الأجانب وجمالها الذى يسطع كالشمس! ما جعلها لا تتزوج حتى الآن لتخوف الكثيرين من الاقتراب منها وانتظارها رجلا تعجب به، ولم يأت حتى الآن رغم سنها الذى تجاوز الثلاثين بقليل.

وبعد أكثر من أسبوع من سيرها وحيدة على البحر، دون معنى ودون ملل أيضا، وبرغم انتهاء إجازتها بعدة أيام، ولم تخبر عملها بمدها، وهى تغلق هاتفها ولم يخطر ببالها أحد ولا حتى شقيقتها الوحيدة. كانت تسير فى ذلك اليوم بجوار البحر الهائج والهواء العنيف والموج المتلاطم، من حين لآخر يلمس وجهها بقطرات من الماء المالح البارد، ما جعل كورنيش الإسكندرية كمكان مهجور لا يسير عليه أحد سواها. كل ذلك جعلها تسرح بخيالها فى الإسكندرية منذ آلاف الأعوام حين كانت جزءًا من البحر، وتخيلت تلك السفن الحربية والمعارك التى دارت فى ذلك المكان، وتخيلت وجه الإسكندر يأتى من بعيد على قمة سفينة. شعرت بأحاسيس غريبة، ونظرت حولها فلم تشاهد العمائر والمحلات والمقاهى المألوفة، وإنما صحراء مطلة على البحر.

فى تلك اللحظة، خلعت عنها معطفها وجواربها، فوجدت نفسها ترتدى زيا غريبا تحت المعطف، يكشف ذراعيها وساقيها وجزءًا كبيرا من صدرها وعقداً غريبا من محار البحر، وشعرها الأسود مربوط بقطعة من الصوف. وكانت تسير حافية القدمين، تشعر بكل ذرة رمال تحت قدميها. تستنشق عبير البحر النقى كأنما تستنشقه لأول مرة. تبلل قدميها بالماء الأزرق الصافى لدرجة تشبه لون البحر فى عينيها. تشاهد السفينة التى يركبها الإسكندر تقترب، ولا تعرف كيف عرفت أنه الإسكندر. ترسو سفينته على الشاطئ، ويقترب منها بوجهه المشرق وأنفه المدبب، وينادى عليها (إسكندرية)! فتتعجب من الاسم! أهذا هو اسمها؟ يضمها إليه وهى لا تحرك ساكناً مستسلمة.

ومرت ساعات وهما يتجولان فى الصحراء المطلة على البحر، سألته: من إسكندرية؟ بدأت لهجته فى التغير، أصبح أكثر حنانا وهو يشرح لها! هى فتاة يعشقها، يدور العالم باحثا عنها، هى جزء منه كما كانت حواء لآدم، هى من يعطيها اسمه لتصير (إسكندرية)! هى ذلك الملاك الموجود فى كل العصور، من سيخلد اسمها فى كل الأزمنة. هى الحب والجمال والعلم والروح، هى البحر الذى لا ينضب، هى كل شىء جميل. هى الحياة التى لا تموت. هى الشباب الذى لا يكبر. هى تلك الشجرة المغروسة فى أصل الزمان، وتمتد فروعها فى كل الأزمنة. هذه هى إسكندرية».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.