أيمن الجندى يكتب | إنها ليست حرباً

أيمن الجندى يكتب | إنها ليست حرباً

د.-أيمن-الجندى1

بدأ الأمر بفيديو استمعت إليه بمحض الصدفة، وبالطبع أثار الموضوع اهتمامى. الرجل كان يتحدث عن تجربته فى إنقاص وزنه أربعين كيلو كاملة! أعانى مثل معظم المصريين بعد منتصف العمر من زيادة الوزن. وربما تعانون نفس الهاجس مثلى. ليست المتاعب الصحية فقط، وإنما عدم الرضا عن الجسد. وتحاشى النظر فى المرآة. والحسرة كلما شاهدت قياس ملابسى القديمة.

وظللت أحلم بالرشاقة بلا تعب! أن آكل ما أشاء دون أن يزداد وزنى. كنت أعلم أن العلم لم يتوصل حتى الآن إلى ذلك. وبرغم ذلك جربت كل الأدوية التى تُروج تجارياً لإنقاص الوزن. هذا يثبت أن فى داخلنا طفلاً يبحث عن الحل السحرى. بالطبع لم تجد فتيلاً معى. أسوأ أنواع النصب أن تتلاعب بأحلام إنسان وأنت تعلم أنك تخدعه. هؤلاء النصابون الذين يسوّقون الوهم جديرون فعلاً بحطب جهنم.

وهكذا لم يعد أمامى إلا النظام الغذائى. لا أذكر عدد المرات التى حاولت فيها ترويض جسدى على نوعية قليلة السعرات! لكن المشكلة أن الطعام الشهى هو وحده كثير السعرات. أضف إلى ذلك صعوبة تغيير العادات، خصوصاً مع تقدم العمر، حين تصبح للوسادة التى اعتدت النوم عليها أهمية قصوى! و(شبشبك) مستعد أن تخوض من أجله معارك كونية! وقهوة الصباح أهم عندك من حياتك! فما بالك بعادات الطعام اللصيقة بك، حينئذ يتحول إنقاص الوزن إلى معركة حقيقية.

هنا استمعت إلى الفيديو بالمصادفة. ألهمنى أشياء أهم بكثير من الوزن المثالى. ألهمنى كيفية التعاطى مع معضلات الحياة فى أعمارنا القصيرة.

الفيديو كان لشاب فى مقتبل العمر، سعودى الجنسية على الأرجح. قال إنه حين بدأ النظام الغذائى لم يكن يعرف شيئاً عن السعرات الحرارية. ولكنه فكر بطريقة بسيطة. ببساطة شديدة سوف ينقص الكميات ويتناول الطعام المتوازن. أروع ما فى الأمر أنه لم يقلق! أجمل ما فى الأمر أنه لم يحاول أن يتتبع وزنه! وأهم ما فى الأمر أنه لم يعتبر نفسه طرفاً فى معركة! فى الأسابيع الثلاثة الأولى لم ينقص وزنه على الإطلاق، ولكنه لم يلتفت إلى الوراء. كان واثقاً أنه على الطريق السليم وسينقص وزنه.

وبالفعل فى غضون عام واحد نقص وزنه أربعين كيلو جراماً، بمعدل أقل من كيلو فى الأسبوع، وهو المعدل الصحى. وحتى التمارين الرياضية لم يذهب إلى أى نادٍ صحى أو يشتر أجهزة رياضية. كل ما فعله أنه كان يبحث فى النت عن أى تمارين ثم يمارسها! هكذا ببساطة.

طفقت أستمع إليه فى إعجاب وقد أدركت أنه لمس وتراً حساساً! كنت أكابد عذاب الحرمان من أجل أن أصل لنفس النتيجة. كنت أحتشد بكل قواى من أجل هذه المعركة. معركة مع جسدى ومع كل ما تعودت عليه. ولكن أهى حقاً معركة؟! هذا ما ينفيه الشاب بشدة.

حصل على كل ما يريد بدون أن يدخل فى معركة، وبدون أن يشعر بأنها معركة. فما أروعها من فلسفة، وما أبدعها من طريقة حياة! وما أجدر أن نطبقها، ليس فى الحصول على الوزن المثالى فقط، وإنما فى كل شؤون الحياة.

الحياة ليست معركة. الحياة رحلة نقطعها من ولادتنا وحتى الموت، وإن نكن تعساء فهذا ليس ذنب الحياة، وإنما خطؤنا نحن لأننا لم نأخذها ببساطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.