أيمن الجندى يكتب | ابن الشيخ المبجل

أيمن الجندى يكتب | ابن الشيخ المبجل

د.-أيمن-الجندى1

تحت مرأى من النجوم الساهرة، وفى صمت المدينة المتلفعة فى الظلام، سارت ثلة من الحراس فى طريقهم إلى القصر السلطانى. قال الشيخ المبجل هامساً لكبير الحرس: «كيف حال السلطان؟ أمازال على ضعفه وخوره؟». قال كبير الحرس فى دهاء: «سلطاننا ورع. يؤخر السيف ويأمل فى الإصلاح». هز الشيخ رأسه فى استهجان، وهمّ بالكلام لولا أن بوابة القصر كانت قد اقتربت.

قال الشيخ وهو يدلف عبر الممر: «وهل يعرف السلطان بقدومى؟». رد كبير الحرس ضاحكا: «إنه فى شغل عن هذا. يتلو القرآن ويستغفر لذنبه العظيم». رفع الشيخ حاجبه الأشيب متسائلا، فأردف كبير الحراس: «لقد استرق نظرة لقدم جارية طيرت الريح ذيلها ومنذ ذلك الحين وهو يبكى». ازداد امتعاض الشيخ وقال فى سخط: «المسلمون يُخطفون ويُروعون، وهو مشغول بقدم جارية. هذا لا ينفع أن يكون إماما».

تلفت كبير الحرس بحذر فطرىّ. وقال بلهجة محايدة وهو يدلف إلى قاعة واسعة: «يمكنك أن تناقش أمور السلطنة مع مولانا الوزير».

وسط أضواء القناديل المتلاعبة، وفى صدر المجلس كان الوزير يجلس على وسادة وثيرة وأمامه طبق من الفاكهة. قام للشيخ فى إجلال وعانقه. صرف الحراس بإشارة من يده، فلم يبق فى القاعة إلا الشيخ والوزير. «معذرة يا شيخنا المبجل على استدعائك متأخرا». قال الشيخ: «أبسط ما عندك». قال الوزير: «منذ موت السلطان المعظم، وتولى ابنه العرش مكانه والأمور تسير لأسوأ». هز الشيخ رأسه موافقا. استطرد الوزير: «سلطاننا الجديد شاب صالح وقذته العبادة، ولكن تسيير أمور البلاد يحتاج إلى السيف كما تعلم». قال الشيخ فى ازدراء: «والأسوأ أنه أطلق العنان للغوغاء والعامة». قال الوزير فى سخط: «بسبب لينه فى موضع السيف تجرأ البدو والأوباش على حدود الدولة، ولم تعد للسلطنة مهابة».

قال الشيخ فى وضوح: «هذا الشاب الغرّ لا يصلح للسلطنة ويجب خلعه». ابتسم الوزير فى دهاء، وقال: «ولكن ستثور العامة لأجله، ويصبح شهيدا». قال الشيخ فى قلق: «وما العمل؟». قال الوزير فى هدوء: «لمصلحة الدولة سندبر مقتلة عظيمة يشيع فيها السلب والفوضى. ثم نبث من رجالنا من يصرخ مناديا بخلع السلطان وتعيين رجل قوى مكانه». نظر الشيخ إليه فى إعجاب: «ومن أولى منك بالسلطنة أيها الرجل القوى الصالح». قال الوزير: «لكن يحتاج التدبير لموافقة الشيخ المبجل». قال الشيخ فى بطء: «ولماذا أرفض أمرا فيه مصلحة الرعية؟ أعلم أيها الوزير أننى لا أجاملك، ولن أبيع دينى بدنيا غيرى، وأنا على أبواب الآخرة! أنا موافق على تدبير هذه المقتلة باعتبارها شرا أصغر فى سبيل درء شرٍ أكبر منه، وهو أن يحكم بلادنا سلطان ضعيف قد وقذته العبادة. للسيف موضعه وللمحراب موضعه». ثم أردف وهو ينهض: «على بركة الله. سدد الله خطاك وجعل هذا التدبير فى ميزان حسناتك».

تنهد الوزير فى ارتياح ثم قال مجاملا: «كيف حال ابنك؟». ابتسم الشيخ لذكر ابنه الوحيد الذى جاء على كبر، وقال: «فى خير حال. نحمد الله».

تقول صحائف التاريخ إن بدواً ملثمين اقتحموا سوق المدينة، فأعملوا السلب والنهب والقتل والترويع، فزاد السخط بين الرعية وتعالت الدعاوى بعزل السلطان، الذى تم خلعه بالفعل، وقد مات فى هذه المقتلة العظيمة نفر كبير من المسلمين تصادف أن كان بينهم ابن الشيخ المبجل.

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.