أيمن الجندى يكتب | احلم

أيمن الجندى يكتب | احلم

د.-أيمن-الجندى

احلم فنحن لا نملك إلا الحلم. احلم، فسلاحنا الوحيد فى هذه الدنيا أن نحلم.

30 ألف عام قبل الميلاد. فى مكان ما فى أفريقيا.

الولد تتسع خطواته للحاق بأبيه، والأب مشغول بتعقب الغزال الراكض. وفى الكهف يقبع الأبناء فى انتظار الطعام. بمجرد أن استقام عود ابنه الأكبر حتى اصطحبه فى رحلة الصيد، لعله يتعلم مهارات تنفعه. لو حدث المكروه واقتنصه أسد جائع لعله يصبح مسؤولا عن إطعام الأسرة.

لكن الليل الأفريقى يهبط هذه الأيام مبكرا، والأحمر الحزين يصبغ الأفق، وتعقّب الغزال امتد دون أن يدرى أكثر من اللازم.

والآن أصبح بينه وبين الكهف دغل ينطوى على خطر مميت. ثعبان يقرصه. أو وحش يثب من فوق الأغصان بجسده العضلى. لم يعد هناك مفر من قضاء الليلة ها هنا.

الطفل ينظر بعينيه الواسعتين صوب أبيه. هذه هى ليلته الأولى خارج الكهف. لابد من مرة أولى دائما. الظلمة تكتسح النور الطفيف فى صفحة السماء. والأسود الحزين يسقط فوق الغابة. ومع الظلام تتوالد المخاوف. احتكاك الغصون يفزعه، والوحوش تتقد عيونها كجمرة.

لكن أباه احتضنه وشرع يهمس له: «اغمض عينيك واحلم. لا تكف عن الحلم. سيأتى يوم لا نحتاج فيه للمغامرة بحياتنا من أجل الطعام. سنعود إلى الكهف فنجده مليئا بالطعام، مسكونا بالشمس. وسنقطع المسافات بنفس السرعة التى يأكل بها أخوك الصغير نصيبه من اللحم. وإذا سكنتنا الأرواح الشريرة سنبتلع شيئا كالحصاة تشفينا على الفور».

قضى الليل يهمس فى أذن ابنه الذى نام مطمئنا فى أحضانه. حينما عاد إلى الكهف راح يرسم كالمجنون الحلم الذى زرعه أبوه فوق كل الجدران. لم يكن يعرف ماذا يرسم بالضبط ولو سألوه ما أجاب. مات الأب ومات الولد وتعاقبت آلاف الأعوام، صارت الغابة صحراء جرداء. حينما اكتشفوا كهوف (تسيلى) عند الحدود الليبية- الجزائرية أذهلتهم الرسوم. قالوا إنها شفرة القادمين من السماء، والحقيقة أنها حلم. مجرد حلم.

عام 1510- ميلانو

أطوار عجيبة يمر بها ليوناردو دافنشى، أعظم فنانى عصر النهضة، ولا يفهمها تلاميذه. رسومات غامضة يخفيها بسرعة. بعد مئات السنين سيجدون رسوما تفصيلية مذهلة عن الهليكوبتر والدبابة والباراشوت. الحالمون قالوا إنه تنقل عبر الزمن، وآخرون قالوا إنه عبقرى. والحقيقة أنه لم يكن يرسم وإنما يحلم.

عام ١٧١٢. تلال سويسرا: قال الشاب الوسيم لحبيبته الشقراء الحالمة وهما يرقبان الطيور من فوق جبل أخضر: «تصورى أن يأتى يوم نستطيع فيه أن نطير مثل السنونو!».

عام ١٨٥٠ كاليفورنيا. أمسك صبيان بعلبتين فارغتين وابتعدا قليلا. راحا يتحدثان. قال أحدهما لصديقه مبتسما: «تصور أن يأتى يوم نكلم بعضنا بعضا بأسلاك طويلة». قال الثانى حالما: «ولماذا لا يحدث ذلك بدون أسلاك أصلا؟».

عام 1946- ريف مصر. قالت الجدة- وهى تشير لجهاز مذياع ضخم لحفيدتها الصغيرة واسعة العينين: «تسمعين صوت الشيخ من الصندوق، وغدا ترين الشيخ نفسه داخل الصندوق!».

الجدة سكتت والبنت راحت تثقب الصندوق بعينيها محاولة أن ترى الشيخ العجيب.

عام ١٩٨١. المنيا. راحت تكتب لزوجها الذى سافر للعراق بعد شهر واحد من الزفاف، باحثا عن الرزق: «تصور أن يأتى يوم أكتب لك فيه الخطاب فتقرأه فى نفس اللحظة!».

احلم. فمن لا يستطيع الحلم ميت. احلم، إياك أن تكف عن الحلم.

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.