أيمن الجندى يكتب | الأستاذ نبيل

أيمن الجندى يكتب | الأستاذ نبيل

د.-أيمن-الجندى

تلقى الأستاذ نبيل قرار تكليفه بتدريب الموظفة الجديدة «نشوى» بالسخط. وحاول مراراً أن يتنصل منه. أعباؤه الكثيرة ملقاة على كاهله. وهو لا يطيق دلع البنات وقلة اكتراثهن بالعمل.

 

كانت حياته هادئة وأيامه متشابهة. ثمرة القلب أعطاها منذ زمن بعيد للعمل والحياة الجادة الهادئة. ولم يطق فكرة أن يعكر صفوها فتاة فى مطلع العمر، جاءت لاقتناص عريس على الأرجح.

 

فى الصباح التالى حين جاءته نشوى طلب منها الجلوس فى صمت وملاحظة ما يدور حولها. ثم انصرف عنها وقد كاد ينسى وجودها تماماً. بالتدريج بدأ يعتاد وجودها الصامت فى ركن المكتب، وهى ترنو إليه فى إكبار وتهيب. أحس بتأنيب الضمير، وبدأ يلقنها أسرار العمل. كانت هادئة مطيعة وتتمتع بأدب جم. وأرضاه ذلك، وقال لنفسه إن بنات اليوم لسن كلهن سيئات وبعضهن مهذبات ورقيقات ويحترمن العمل.

 

وذات صباح خف فيه ضغط العمل، وأحس فيه بنشاط وإقبال على الحياة قلما يراوده، ناداها لتقترب منه وراح ينقل لها خبرته. ولمح فى عينيها إعجاباً وولاء، ولأول مرة حين اقتربت بوجهها لاحظ أنها مليحة. ليست مهذبة ونشيطة فقط، بل هى حسناء أيضاً.

 

وكأنما انفتح أمامه الباب عن عوالم سحرية. ياللجمال الربانى والملامح الرقيقة المتناسقة! هى فى وضاءتها وسحر صباها أشبه بزهرة متفتحة. أحس بمتعة فى مداومة النظر إليها، كأنها ضوء رقيق حالم. وسرى عطرها الخافت فى حواسه فخدرها. وتلعثم لأول مرة فى الشرح، وبالكاد سيطر على نفسه، وحين غادر العمل فى نهاية اليوم أحس أنه قد تغير للأبد.

 

حينما عاد إلى منزله عزف عن تناول الطعام، ولم يشعر بميل إلى القراءة. كان باطنه متوهجاً بآلاف الأفراح السماوية. واستعاد عينيها الواسعتين الباسمتين، والبسمة الخجول حين تتلاعب على شفتيها. وأحس أن قلبه يوشك أن يقفز منه. «نشوى»، أيتها الساحرة الصغيرة ماذا فعلت بى؟!

 

فى الأيام التالية أصبح ذهابه إلى العمل جنة! ولم يعد يطيق ابتعادها عنه. وحين حاول موظف شاب الاستظراف معها أحس بضيق يجثم على صدره. كان هذا أول نذير أن عواطفه بدأت تفلت منه.

 

كانت الأيام قد مرت وانتهت فترة التدريب، وودعته نشوى بالعرفان وتسلمت عملها فى قسم بعيد عن مكتبه. وانتابه القلق وعدم الاستقرار، حتى صار يجوب غرفته كحيوان حبيس. يحسب كل دقة على الباب منها. ويترصد كل اتصال هاتفى. كانت تجلس ها هنا. وكانت تضحك ها هنا. وتسند خدها الحريرى على يديها الصغيرتين وهى ترنو إليه فى إكبار وتهيب. وفى النهاية لم يعد يطيق صبراً وذهب إلى قسمها، متعثراً فى النظرات المندهشة والتعليقات المتسائلة. وهناك وجدها لطيفة كالضوء، خفيفة كالهواء، بجمالها البراق ووجهها الملائكى. ولم يكن يخفى عليه أنه لن يستطيع أن يكرر الزيارة إلى ما لا نهاية. فليعترف أنه أحبها. فليعترف أن ساقيه طريتان وقلبه يخفق.

 

كان الأمر ينذر بمأساة تودى بكرامة كهولته لولا أنه بالمصادفة شاهد انعكاس صورته فى المرآة وهو فى طريقه إلى مكتبه. انقبض صدره حين طالعه شعر أبيض وعيون متعبة. وكأنه اكتشف وقتها فقط أن ثلاثين عاماً على الأقل تفصل بينهما. وقارن فى مخيلته بين وجهه الناضب ووجهها الصبوح وملامحها المشرقة.

 

عاد الأستاذ نبيل إلى مكتبه وقد شاخ عشرين عاماً على الأقل، ومنذ ذلك اليوم لم يغادر باب مكتبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.