أيمن الجندى يكتب | الأنس بالأشباح

أيمن الجندى يكتب | الأنس بالأشباح

د.-أيمن-الجندى1

كان مشهدهما معا يثير الشجون. رجل وشبح، كلاهما فى خريف العمر بالنسبة لنوعه، يرقد كل واحد منهما على أريكة مريحة، يتبادلان السمر، ينفقان الأمسيات. صداقة عجيبة أنشأتها المصادفة والاحتياج.

كان منذ البداية يعلم أن ثمن الشقة أقل بكثير مما ينبغى لها. وحتى حينما راوده الطمع وعرض مبلغا أقل، متوقعا أن ينصرف البائع غاضبا فإنه وافق بسرعة أقنعته أن هناك خطبا ما. لكن المحامى أكد له أن الحيازة مستقرة والأوراق سليمة، وهكذا ابتاع الشقة وقلبه مفعم بالتوجس وعدم التصديق.

اسمه راشد! فهل هو راشد حقا؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ترصدته الخطوب؟ لماذا مر العمر كلمحة بصر قبل أن يتحقق ويحقق فيه آماله؟ يذكر الآن حين غادر بلاده منذ ثلاثين عاما للعمل خارج الوطن، وكل ما فى ذهنه أن يغترب عاما أو عامين! نوم! استيقاظ! نوم! استيقاظ! وفجأة وجد نفسه يطالع وجه الكهل الذى صاره وجسدا مفعما بالأمراض. عجيب أن تأتى الخطوب فى إثر بعضها! وكأنها تأتنس بأخواتها! عمله الذى حان موعد تقاعده! زوجته التى ماتت! أبناؤه الذين هجروه من بعد أن استنزفوه! والآن يعود إلى الوطن بمدخرات تكفى لشراء شقة بسيطة والعيش بالمعروف بلا تقتير ولا تبذير.

لم يستغرق الأمر أكثر من يومين لشراء الأثاث الضرورى. اشتراه دون أن يستشعر بهجة البدايات. إذاً فهذه هى اللحظة التى من أجلها سافر إلى بلاد الغربة منذ ثلاثين عاما! وعادت أفكاره القديمة أنه سيموت وحده ولن يعرف أحد بوفاته حتى تنتشر روائحه.

نام ليلته الأولى فى غرفته التى يتصاعد منها رائحة الطلاء الحديث. استغرق فى النوم بمجرد رقاده لكنه استيقظ بعد ساعتين. وكانت نجوم السماء تومض بأبعادها السحيقة فى الكون. وقد هدأت أصوات الشارع الهادئ أصلا. وانتابه هاجس مفاجئ فى تفقد الغرفة المغلقة. فتح الباب بعنف، وهنالك رآه.

فيما بعد ظل يستعيد لحظة المفاجأة. انطباعه الأولى أنه شاهد شبحا أسود اللون له حيز ووجود. عيناه تلوحان كثقبين فى وجهه الخالى من الملامح. تفاجأ بوجود الشبح وأدرك فى ومضة خاطفة سر سعر شقته المتدنى. أدرك أيضا أن الشبح مرتبك مثل ارتباكه! وربما خائف أيضا! ولم يدر وقتها ماذا يصنع! تملكته سكينة مفاجئة وشعور بالتسليم المطلق. يؤذيه الشبح أو لا يؤذيه، يقتله أو يتركه! الموت قادم بلا ريب وهذه التفاصيل تحصيل حاصل!

والذى حدث أن كليهما ظل صامتا، يحدق فى الآخر بعد أن ذهبت رهبة المفاجأة. وبرغم خلو وجه الشبح من الملامح فإنه شاهد فيه نوعا من التسليم. وانتظر أن يختفى الشبح أو يفقد هو الوعى لكن ذلك لم يحدث. وإنما تبعه إلى غرفة الجلوس.

فى الأيام التالية لم يعد راشد يستشعر الوحدة أو يخشى أن يموت وحده. تبين له أن هناك الكثير من سوء التفاهم بين عالمى البشر وعالم الأشباح. أخبره أنها تخاف البشر وتنزعج منهم ولذلك تهرب إلى الأماكن المنعزلة. أخبره أيضا أنهم لا ينامون إلا قليلا، وأن أعمارهم طويلة. وأنهم لديهم مشاكلهم، مثلنا تماما تعساء وخائفون.

ولأن الأصل فى الكون الوحشة. والمسافات بين الكواكب هى نفسها المسافات بين مدارات الإلكترونات. ولأن البشر مصرون أن يحتفظوا فيما بينهم بالمسافات نفسها، فإن غربته السحيقة لم تزل وحشتها إلا باندماجه الكامل فى عالم الأشباح.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.