أيمن الجندى يكتب | الإسكندرية والياسمين

أيمن الجندى يكتب | الإسكندرية والياسمين

د.-أيمن-الجندى

شكرا للدكتور محمد على فايد الذى أرسل لى هذا النص المؤثر وسمح للقراء الأعزاء أن نشاركه ذكرياته الحميمة وشجونه الإنسانية.

«كنت مراهقاً فى الصّف الثانى الإعدادى.. وأوّل رحلة تسمح لى أمّى بالذّهاب إليها كانت للإسكندريّة.. ركبت الباص مع زملائى وأنا أحلم باللحظة اللتى تطأ فيها قدماى أرض تلك المدينة التى سحرتنى قبل أن ألقاها وأن أغتسل بماء بحرها الجميل.

لم أكن بعد قد تعلّمت السّباحة ولم أتعلّمها حتى الآن. لكننى أذكر لحظات سعادتى يومها وأنا هناك أسير على الشاطئ وقدماى تقبّلان مياهها الأنقى من النّقاء نفسه..

عدّت من الإسكندرية يومها وأنا مدرك لحقيقة واحدة: أنّها هى المدينة التى أنوى أن أعيش بها إذا قُدّر لى البقاء بهذا البلد البائس.

فى اليوم التالى ذهبت للمدرسة وتسابق كلّ من ذهب للإسكندرية فى الحكى عن مغامراته وعمّا رآه وفعله هناك..

متعة أن تحكى عن مكان أنت تحبّه فى الأصل من قبل أن تراه وأن تجد من يستمع إليك هى متعة لا يفوقها شىء.

يومها عدْتُ إلى شقّتنا وأنا سعيدٌ أيّما سعادة.. أصعد سلالم عمارتنا لأرى نسوة متّشحة بالسواد لينقبض قلبى. كلّهن ينظرن إلى نظرات عطف ورثاء.

أسأل عن والدتى لأجدها تجلس على الأرض تبكى قائلةً: «ياسمين ماتت يا محمّد.. أختك ماتت يا محمّد»..

يومها لم أذرف دمعة واحدة.. لم أقو حتّى على الكلام.. لم يكن هناك من رجال سوى عمّى وجدّى عليهم رحمة الله.. وأنا.. كان والدى مسافراً بعيداً عنا.. حتّى إخوتى حينها كانوا فى مدرستهم.

لم ألق حتّى نظرة الوداع الأخيرة عليكِ يا ياسمين.. كانوا قد وضعوكِ فى الكفن.. وحملكِ جدّى وذهبت معه أنا وعمّى للمسجد.. لم أتكلّم.. لم أتفوّه بكلمة.. صلّينا صلاة الجنازة وذهبنا للمقابر.. رفضوا حتّى أن أودّعك لمثواك الأخير..

منذ ذلك الحين وأنا لا أقوى على الذهاب للإسكندرية..

منذ ذلك الحين وأنا خائف.. خائف من كلّ لحظة سعادة ليقينى أنّها ستُتبَع بلحظة أشدّ بؤساً..

أكتب إليك هذه السطور القادمة يا ياسمين لأخبرك أننى لم أعد أخاف من لحظات السّعادة التى صارت نادرة هذه الأيّام..

أكتب إليكِ لأخبرك أننى ذهبت للإسكندرية..

وأن الإسكندرية مازالت جميلة كما عرفتها كحوريّة بحر لا يعرف الشيّب لها طريقاً..

وأننى صرت أذكرك كلّما ذهبت هناك وأبتسم.

وأننى مازلت أحبّ الإسكندرية ولم أكرهها يوماً ما..

وأننى صرت أحبّ كلّ فتاة وكلّ امرأة اسمها نفس اسمك..

وحين أكتشف أنّ التى أتحدّث معها تشاركك نفس الاسم ترتسم على وجهى ابتسامة بلهاء كطفل يتذوّق الحلوى لأول مرّة فى حياته..

وأتخّيلها أنتِ.. ربّما لو كبرتِ بيننا لأصبحتِ معلمة جميلة أو طبيبة بشوشة أو مطربة تداعب أوتارها القلوب أو كاتبة تتلاعب بالحروف والكلمات كأنّها ملكت مفاتح الكَلِم.. وربّما كنت كلّهم..

رحمة الله على الياسمين الذى فقدنا روحه وريحانه من بيننا يوم فقدناك».

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.