أيمن الجندى يكتب | البوابة

أيمن الجندى يكتب | البوابة

د.-أيمن-الجندى1

كان منطوياً على نفسه كلؤلؤة فى صدفة مكنونة. يحيط به الماء فى كل مكان. غافياً فى هدوئه السرمدى يتعاطى أسراره الغامضة. لا أحد يعرف فيما يفكر أو فيما يحلم. هو نفسه لا يدرى عن نفسه الكثير ولا عن ذلك المكان المغلق المبهم. فقط تتسرب إليه دقات منتظمة تشعره بالسكينة والطمأنينة. وأصوات كأنها الحلم تنتمى إلى عالم آخر. هو لا يعرف شيئا عن عالمه والعوالم الأخرى. هو موجود، وهذا يكفيه! أما فيم وجوده وعلام، فأحاجى مُلغزة بطبيعتها.

وفجأة انفتحت أبواب الجحيم فى كل مكان. الكون المستدير الذى يحتويه جن جنونه. الجدران تتقلص والسقف يهتز والأرض تميد تحت قدميه، والماء يرتفع فى كل مكان، إلا أنه لحسن الحظ كان يتقن السباحة. الظلام دامس كالمعتاد، والبوابة مغلقة. هى دائما مغلقة. من الجيد أنها مغلقة لا يعلم ما وراءها! ولا يريد أن يعلم. عالمه يكفيه. عالمه المفعم بالحلم والتأمل. عالمه الغامض المسربل بالظلام.

وفجأة ساد سكون شامل وعاد الهدوء يحيط به من جميع جوانبه. ولكنه كان قد تحفز ولم يستطع أن يعود إلى إعفاءته السابقة. لا يستطيع تجاهل ما حدث، ينبغى أن يفهم أولا.

وفى ظلامه الدامس شرع يتحسس الجدران الرطبة اللينة. كل شىء كالعهد به. فما الذى تغير؟ الآن ينبغى أن يواجه الأسئلة الصعبة التى كان يتحاشى التفكير فيها. إذ يبدو الآن على الأرجح أنها تهدد وجوده ذاته. وجود؟ هل هو موجود؟ وما يعنى ذلك. وهل كان هناك دائما، وإذا لم يكن موجودا من قبل فمن أوجده؟ وما هى حدود الكون الذى يحيطه؟ وما هو المجهول القابع خلف البوابة؟ هذه الأسئلة لم تعد نوعا من الترف العقلى. بل هى صميم الخلاص من هذا المأزق وطريق النجاة.

وقبل أن يجد أجوبة عاد الزلزال يوشك أن يقتلعه من عالمه. حاول أن يحفظ توازنه إلا أنه وجد نفسه يسقط إلى الجانب، ولولا مرونة الجدران التى حمت رأسه من الارتطام لآذته. وفار الماء من حوله فى دوامة متصلة. ثم سرعان ما هدأ كل شىء للمرة الثانية.

وانفتحت البوابة قليلاً وتسرب منها نور خفيف لم يفلح أن يبدد الظلمة، ولكنه اختلط بوجوده. الآن تتضح له معالم الكون الذى يحيط به. الكون حيز ضيق أكبر من حجمه بقليل، وجدرانه لينة. كما أنه مملوء بالماء. وهناك شىء ما فى الخارج. ولعله منشأ الدقات المنتظمة التى يسمعها. ترى ما كنه هذا العالم المحتجب خلف البوابة؟

تسمر عند حافة البوابة محاولاً أن يلقى نظرة. لكم يملؤه الفضول صوب هذا العالم. هل هو مملوء بالشرور أم مفعم بالنور والسرور؟ وهل توجد هناك الإجابات للأسئلة التى ما فتئت تحيره؟

كان هذا آخر ما فكر فيه حين تقلصت الجدران فى قوة وتصميم. ودار كل شىء من حوله. وأخبره حدسه أن شيئاً هائلاَ الآن على وشك الوقوع.

وبالفعل انفتحت البوابة على مصراعيها. ووجد نفسه محمولاَ على عرش من الماء فى طريقه إلى عالم تسكنه الأسئلة وتندر فيه الإجابات. النور الساطع يتدفق، وقلبه يخفق، وعيناه مبهورتان فلا يرى.

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.