أيمن الجندى يكتب | التورتة

أيمن الجندى يكتب | التورتة

د.-أيمن-الجندى1

خرج من المحل حاملا التورتة! أغلى تورتة فى المحل كله. تزينها قطع الفاكهة والكريم شانتيه. إنه اليوم الموعد. يوم ميلاده الذى من أجله ظل يخطط عاما بأكمله ويستعد له. حسابات الفيس بوك الوهمية التى شرع يلفقها بصبر طيلة هذا العام. يختلق أحداثا ويجرى حوارا ويضع صورا ويتفاعل مع الأحداث الجارية. عالم متكامل من البنات والشباب من صنع خياله هو. جمال! ريهام! سعيد! رشا! وعشرات غيرهم لا وجود لهم إلا من أجل هذا اليوم فقط. كى تمتلئ صفحته فى يوم ميلاده بالتهانى والبالونات والتورتات كسائر البشر. هو ليس مستعدا كى يتحمل يوم ميلاد صامت كالذى مر به فى السنة الماضية.

البيت الواسع الذى يخيم عليه السكون. الترقب المشحون بالتوتر فى انتظار تهنئة واحدة! خيبة الأمل المتوقعة والمريرة عندما انتهى اليوم دون أن يتذكره أحد. شىء ما خطأ يغلف حياته كلها! لا يدرى ما هو، ما زال يذكر طفولته حين كان يحاول بشتى الطرق أن يشارك الأطفال ألعابهم دون أن يسمحوا له! وحتى فى الفصل كانوا يتجنبون الجلوس بجانبه.

ثقيل الظل، خالٍ من الجاذبية. هذا الذى أدركه فى سنوات الدراسة الجامعية حين وقع فى الحب، وفى كل مرة كان الرفض المختلط باستياء. وكأن حبه إهانة تقلل من شأنها!

جلس على مقعده المريح. مقعده الذى أعده خصيصا ليناسب جلوسه عليه لساعات طويلة. بعد أن أصبح الفضاء الإلكترونى ملاذا له، بعد أن توالت هزائمه فى عالم الواقع. لماذا لم يتزوج؟ ببساطة لأنه يعرف ماذا سيحدث لاحقا؟ لو كان قابلا للحب لأحبته أى فتاة من قبل! وإنه ليرى المستقبل بعين الخيال. رحلة عمر يكتنفها التصحر والملل! وامرأة تشاركه الفراش ولكنها تحلم بغيره! أو تخونها عيناها فتبوح بنفورها. حقا إنه لا يفهم! ما الفارق بينه وبين باقى الرجال؟ ألا يملك رأسا وعينين ويدين يحركهما كثيرا. يحركهما أكثر من اللازم! وساقين تحملانه إلى الدروب المزدحمة ولكن وحيدا.. بلا صحبة.

لم يعد هناك وقت يُضيّعه. الشاشة المضيئة تناديه. ولوحة المفاتيح تتساءل لماذا تأخر! أمامه مجهود لا بأس به ولكنه التعب اللذيذ. أن يدخل فى سرعة فائقة عشرات الحسابات ويتبادل التهنئة. كل هذا ينبغى أن يفعله الآن. يجب أن يقوم بتصوير التورتة أيضا. ثم يضع الصورة على سطح الصفحة. وبعدها يكتب التعليقات. أن يتقمص شخصيات مختلفة نساء ورجالا فى أعمار متباينة. الأمر ليس بالسهولة التى تبدو بها. شىء ما داخله بدأ يتغير. يشعر وكأنه جمال وسعاد وريهام وسعيد وعشرات غيرهم. ينبغى أن يبدى الجميع إعجابهم بالتورتة ذات الحجم الهائل والمنظر الشهى! وإن كان لا يدرى ماذا سيصنع بها بعد تصويرها؟ أغلب الظن أنه سيتركها فى الطريق خلسة. صعب أن يبرر أنه لا يعرف أحدا يقاسمه التورتة.

لكن لماذا يشعر بفتور؟ لماذا تتثاقل يداه عن دخول الحسابات الملفقة؟ ولماذا فى هذه اللحظة فقط دق الباب؟ سمعه بوضوح برغم أنه لا يدق تقريبا.

والذى حدث بعدها أن فرجة الباب الموارب لم تكف لمرور كل هؤلاء الأحباب دفعة واحدة! جمال وريهام وسعيد ورشا! وعشرات غيرهم! كلهم كما تخيلهم بالضبط. يعلقون الزينات، يتبادلون النكات، يغنون الأناشيد، يحملون الهدايا ذات الغلاف الملون. وبينما تصاعد نشيد يوم الميلاد التف الجميع حول التورتة التى لم يتبق منها قطعة واحدة.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.