أيمن الجندى يكتب | الدمية

أيمن الجندى يكتب | الدمية

 د.-أيمن-الجندى1

 

أرسلت لى الأديبة التونسية «روضة السالمى» هذه القصة الشيّقة المرعبة:

«عادت هناء، ابنة العاشرة من عمرها، من النادى بعد درس الباليه، وطلبت من أمها أن تعد لها طبقا من المكرونة بالصلصة مع البطاطس المقلية. ذلك أنها تشعر بجوع شديد بعد يوم حافل بالنشاط. ابتسمت الأم فى رقة وأخبرتها أن تنتبه إلى وزنها الزائد!

– وإن يكن يا ماما، أنا أحب المكرونة، حتى وإن كنت أحب رقص الباليه، فأنا لا أريد أبدا أن أكون نحيلة مثل الدمية باربى.

وردّت عليها أمها باسمة: «حسناً، اذهبى أنت إلى الاستحمام الآن وأنا سأعد لك طبقا صغيرا فقط».. وأضافت الأم: «ولا تلعبى بدميتك فى المغطس».

تسللت هناء إلى غرفة الاستحمام بعد أن اختطفت دميتها. أغلقت الباب بالمفتاح، وفتحت صنبور المياه وعدّلت حرارته لملء البانيو. ثم نزعت ثيابها أمام المرآة وتأملت نفسها. فعلا، إنها بدأت تميل إلى الامتلاء بعض الشىء. أمسكت دميتها وخاطبتها باسمة وهى ترقص معها فى حركات دائرية:

– هل تسمعيننى، لا أريد أن أبدو نحيلة مثلك. سآكل ما يحلو لى وأمارس ما أحب من الرياضة.

كانت دمية هناء تعادلها فى الحجم، أهدتها لها أمها منذ سنتين فى عيد ميلادها الثامن. فى البداية كان للدمية ملابس جميلة براقة، وكان شعرها أشقر لامعا وعيناها زرقاوين، ولكن ومع مرور الوقت تمزقت كلّ ثيابها، وأصبح شعرها منكوشا كمهرّج، وغطّتها آثار الألوان المائية. وأصبحت تنظر بتعاسة. حتى إنها فقدت إصبعين تسلت هناء بقضمهما وهى تشاهد برامج الكرتون.

عندما دخلت هناء إلى المغطس مع دميتها بدأت تحدثها عمّا تعلمته فى درس الرقص:

«اسمعى. لكى تكونى باليرينا يجب أن تقفى باستقامة، أن تشدى ساقيك وعضلات فخذيك هكذا».

وبالفعل راحت تهزّها بعنف وتحرّك أطرافها فى كلّ اتجاه. انغمست هناء فى اللعب مع الدمية، تشدّها تارة من شعرها وطورا من ساقيها، مرّة تفتح يديها بشكل أفقى ومرّة فى اتجاه عمودى. وراحت تشرح لها والدمية تنظر لها فى تعاسة: «هذه هى الوضعية الأولى فى رقصة الباليه. هذه هى الوضعية الثانية».

ويبدو أنها انغمست فى لعبتها عندما انقطع النور فجأة وشعرت هناء بيد تمسكها تريد أن تغرقها فى مياه البانيو.

أحست هناء بالفزع. وتسارعت دقات قلبها. أرادت أن تصرخ. إلا أن صوتا لم يخرج من حنجرتها. أصابها الرعب. وطغى صوت دقات قلبها على كل شىء. لم تعد تقوى على التنفّس. ألجم الرعب حركتها، ومع قسوة اليد المجهولة شعرت أنها ستغرق حتما.

استجمعت شجاعتها لبرهة وجاهدت بكلّ قوّتها محاولة الإفلات إلا أنّ قوّة هائلة دفعتها فى الهواء قبل أن يسقط جسدها بلا حراك فوق البلاط المبلل.

وفى تلك اللحظة، عاد النور الكهربائى. كانت راقدة بلا حراك، وقد بدا شعرها المنكوش كباروكة مهرّج. واتخذ جسدها الوضعية الرابعة فى رقصة الباليه، حيث تكون القدم اليمنى أمام القدم اليسرى وكل منهما ملتفة للخارج تفصل بينهما مسافة قدم.

وهكذا خرجت فتاة جميلة من الحمام تقطر المياه من جسدها. فتاة تشبه هناء كل الشبه فيما عدا عينيها الزرقاوين وإصبعين ناقصين. لذلك وجدت صعوبة فى تناول أصابع البطاطس الساخنة، هناك حيث راحت أمها ترمقها بذعر عاجزة عن الحركة.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.