أيمن الجندى يكتب | الراكب فى المقعد الخلفى

أيمن الجندى يكتب | الراكب فى المقعد الخلفى

د.-أيمن-الجندى1

تعرفون لعبة الراكب الذى يتظاهر بالحديث مع كائن خفى لا يراه سائق التاكسى، فينتابه الذعر ويغادر السيارة، فيسرقها الزبون! حسنا. لقد حدث الشىء نفسه مع «عم إبراهيم» ولكن بطريقة معكوسة.

عم إبراهيم هو رجل بطبيعته لا يعرف الهذر. هو فى الحقيقة إنسان جاد بطبعه. لا يتذوق الفكاهة إلا قليلا. ويؤمن بوجود شىء اسمه «الأصول». ومن أهم قواعد الأصول لديه ألا يحاول شخص ما، خصوصا حين يكون أفنديا رقيعا، أن يستكرده أو يحاول النصب عليه. وقتها يجن جنونه! ومن الممكن أن يرتكب جريمة! هذه أشياء لم يكن هيثم يعرفها حين استوقف التاكسى وجلس بجوار عم إبراهيم.

الطريق قطعة من جهنم. لكن عم إبراهيم رجل مخضرم لا يبالى بهذه الأمور. إن رجلا له مثل هذا الشارب الكثيف والعينين الصارمتين والملامح الجادة لرجل يصعب أن تحتك به على الإطلاق. يجلس خلف المقود مسيطرا بكل معنى الكلمة. لا يحك سيارة غيره ولا يسمح لغيره بأن يحك سيارته! ويستطيع أن يفرض إرادته إذا تعقدت الأمور.

هيثم لم يكن يعرف هذا كله. كان مشغولا بشىء آخر. بصراحة يشعر أنه ليس على ما يرام. آلام فى صدره تناوشه منذ الأمس. هيثم لا يعلم أنه مصاب بجلطة تخرب عضلة القلب الآن بنجاح! لو كان طبيبا لهرع صارخا إلى المستشفى طالبا تخطيط القلب. أو كان عجوزا لطفرت الدموع فى عينيه وودع أولاده فى مشهد احتفالى قائلا إنه حسن الختام. لكن هيثم لم يكن هذا ولا ذاك. كان محاسبا شابا فى الثلاثين من عمره. وبصراحة تم رفده بالأمس. وأصبح يرى الضياع أمامه بكل وضوح.

توقفت السيارة فى إحدى الإشارات. وفى سرعة البرق صعد أحدهم إلى المقعد الخلفى فى السيارة. دون أن يستأذن السائق أو يسأله عن وجهته! والأغرب أن السائق لم يلتفت. إذن فهناك سر خطير. لكن هيثم لم يكن رائق البال ليهتم بالأسرار! هو رجل تم رفته وضاع مستقبله ويقف على حافة الموت! بذمتكم لو كنتم مكانه هل كنتم تهتمون بهذه الأمور!

هيثم كان ذاهبا إلى أمه. لقد شعر برغبة حارقة فى البكاء بين أحضانها! هذه حقيقة لا يعرفها الأسطى إبراهيم. ومن الطبيعى ألا يعرفها الراكب فى المقعد الخلفى كذلك! لذلك كانت دهشته مروعة حينما قال الراكب فى المقعد الخلفى: «أمك مش فى البيت؟».

هنا التفت هيثم مذهولا، وسأله: «أنت عرفت منين؟». نظر عم إبراهيم إلى المقعد الخلفى فوجده فارغا، فحدج هيثم فى ارتياب. لكن هيثم لم يلحظ لأن الراكب فى المقعد الخلفى قال فى رثاء: «الحاجة حتزعل عليك أوى». صرخ هيثم: «إنت مين؟ وبتقول إيه؟».

حينئذ لم يطق عم إبراهيم احتمالا. وبرغم أن هيثم بدا له ابن ناس ومش وش بهدلة فإنه لم يحتمل فكرة أن يستكرده ويخطط لسرقة سيارته، لذلك أوقف السيارة بفرملة مفاجئة وانهال على هيثم باللكمات: «أنت فاكرانى كروديا يا حرامى؟ أنا حافظ لعبتكم؟».

لحظتها شعر هيثم أنه فى كابوس. الضربات تنهال عليه من السائق لغير سبب واضح.

احسبها معى: جلطة فى القلب زائد رفد من العمل زائد راكب مريب يعرف الغيب والآن علقة. لذلك لم يكن مستغربا أن يسلم هيثم الروح. وكان آخر ما قاله فى صوت متحشرج، وكأنما يلخص حياتنا الغريبة:

«هو فيه إيه؟».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.