أيمن الجندى يكتب | الراكضون إلى الأبد…

أيمن الجندى يكتب | الراكضون إلى الأبد…

د.-أيمن-الجندى1

دماه لا تكادان تلامسان الأرض. ساقاه متحفزتان كوتر مشدود. يداه تتأرجحان جانبه كقارب فى محيط هائج. أنفاسه لاهثة وقلبه يدق كطبول وحشية تعلن الحرب.

يركض.. يركض.. يركض.

الناس يقفون ليتفرجوا عليه! يخترق الطرقات. تعترضه السيارات المسرعة. تعلو أبواق السيارات وكأنها تشتمه. يتصاعد صراخ المارة وهم يبتعدون عنه. تتصادم السيارات ببعضها. تصرخ الفرامل وكأنها تحتج! لكنه يمرق كسهم ويتفادى كل العوائق. ينظر إليه الجميع وهو…

يركض.. يركض.. يركض..

لا يذكر منذ متى يركض؟ كل ما يعرفه الآن أنه يركض. ربما يركض منذ دقائق. ربما منذ ساعات. ربما أيام. ربما عمره كله. الهواء يمزق رئتيه. عضلات ساقيه تتقلص.. قلبه يخفق فى عنف.. وكأنه يقول:«ستقتلنى أيها المجنون!».. معذرة أيها القلب. لو نجوت ستنجو معى.. وإذا هلكت فستهلك معى».

حواسه مرهفة كحد الموسى. يصغى إلى دبيب الأقدام التى تلاحقه. ترتفع وتنخفض. ليس عنده رفاهية الالتفات للخلف. لا يذكر الآن لماذا يطاردونه. ربما لو توقف لأدرك. هناك شىء ما حدث جعلهم يطاردونه. ربما يطلبون حياته! أو يطلبون نقوده! قد يكون هو الجانى أو المجنى عليه! يستطيع أن يتذكر كل شىء لو توقف وهدأ قليلا. لكنهم حتما سيدركونه. أو ربما شىء آخر تماما. ربما هو يركض حتى لا يسبقه الراكضون خلفه فى مضمار السبق! المهم أنه لا يستطيع أن يتوقف. لو توقف لحظة ضاعت فرصته. المهم الآن أن..

يركض.. يركض.. يركض..

اسمع أيها الراكض. لست الوحيد الذى يركض. فى اللحظة نفسها وفى مكان ما يركض غزال من أسد جائع وهو يعلم أن الأسد سيدركه. وتشاهد أغصان الغابة قردا مسالما يتنقل من غصن لغصن وفصيلة القرود المتوحشة تطارده وتصدر أصواتا مرعبة، تدور المعركة فوق الأشجار الساحرة ثم يعم الصمت النهائى. ويطارد القط الفأر عالما أنه سيدركه. ويهرب صرصار من قدم باطشة تجرى وراءه حين أضاء النور بغتة.

الغزال يركض والأسد يركض…

القرد المسالم يركض والقرود المتوحشة تركض..

القط يركض والفأر يركض..

الصرصار يركض والقدم من ورائه تركض..

الخليقة بأسرها تركض. الكل يُطارد والكل مطارد. فما قيمة حياة أصلها الركض؟ حقيقتها المطاردة؟

نظر حوله فى حيرة. وكأنما تبينت الأمور له فى ومضة بصيرة كاشفة. كل ما حدث أن سرعته تباطأت بالتدريج حتى توقف تماما. استدار إلى الخلف كاشفا صدره للريح، ناظرا إلى خصومه. وكان هؤلاء الراكضون خلفه يقتربون منه. فليحدث ما يحدث! الآن وفورا! هل تستحق الحياة أصلاً كل هذا التعب؟!…

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.