أيمن الجندى يكتب | السيدة صفية

أيمن الجندى يكتب | السيدة صفية

د.-أيمن-الجندى1

رب ضارة نافعة! هذا التعليق على ظروف زواج الرسول من السيدة صفية دفعنى أن أقرأ عنها. فإذا بى أندمج وأشعر بأن هذه المرأة، بالظروف غير العادية التى تعرضت لها، تصلح لكى تكون محور رواية تفسر التحول الدرامى العنيف من ظروف لقائها الدامية بالرسول فى أول لقاء، إلى أن تحبه لدرجة أنها تتمنى أن تكون مكانه فى مرض الوفاة.

ها نحن مع صفية. اليهودية الحسناء التى تجلس بين سائر اليهوديات تنتظر نتيجة المعركة. كان صدرها يجيش بالانفعالات المتضاربة. بين رغبتها الفطرية فى سلامة قومها وبين مشاعرها المرتبكة تجاه الدين الجديد. ومما زادها حيرة تلك الرؤيا التى شاهدتها، القمر الذى يغادر السماء ويسقط فى حجرها. استيقظت والرؤيا تستحوذ على جميع حواسها. وحينما أخبرت بها والدتها فوجئت بها تلطمها على وجهها لطمة عنيفة. قالت فى توحش: «لعلك تمنِّين هذا الملك الذى بالمدينة»، تقصد محمدا.

بكت صفية كثيرا. ولمدة أيام طويلة مازال وجهها الصبوح يحمل آثار اللطمة.

الآن يقتحم جيش محمد خيبر. تتهاوى الحصون واحدا بعد واحد. وبين النار والدمار وجثث القتلى يسوق بلال صفية مع أخت لها، بعد أن صارت أسيرة! يمر بها على قتلى قومها فتصرخ باكية. فى هذه اللحظة يشاهدها النبى محمد منهارة فيسأل عن الخبر، يعنّف بلالا: «هل نُزعت الرحمة من قلبك؟». يلتفت إلى الأسيرة الجميلة فيرق لها. يعتذر لها بأن قومها هم الذين بدأوه بالعدوان، فتقول له: «يا نبى الله، إن الله يقول فى قرآنه: ولا تزر وازرة وزر أخرى». ويندهش الرسول ويتساءل: هل هى مؤمنة؟!

يشاهد آثار اللطمة على وجهها. اللطمة قديمة وهى بنت سيد القوم. فمن يجرؤ على لطمها؟! تخبره بالرؤيا فيستبشر الرسول بما أخبرته. يقول لها فى رقة: «اختارى، فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسى (أى تزوّجتك)، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقى بقومك»، فقالت: «يا رسول الله، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعونى، حيث صرت إلى رحلك وما لى فى اليهودية أرب، وما لى فيها والد ولا أخ، وخيرتنى الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إلىَّ من العتق وأن أرجع إلى قومى». فأعتقها الرسول وتزوّجها.

وتمر الأيام، ويرق الرسول لغربتها رقة شديدة. فكل زوجاته من العرب يعشن وسط قومهن باستثنائها هى. ولقد أثار جمالها الوضىء ورقة النبى معها غيرة باقى زوجاته. أقبل الرسول عليها فوجدها باكية. قالت إن حفصة بنت عمر قالت لى: «يا بنت اليهودى». فقال الرسول: «قولى لها إنك بنت نبى (يقصد هارون جدها الأعلى)، وعمك نبى (يقصد سيدنا موسى)، وزوجك نبى، فبم تفخر عليك؟»، ثم مضى إلى حفصة فقال لها: «اتقى الله يا حفصة». فى مرض الوفاة اجتمع نساء النبى (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت صفية بنت حيى: «إنى والله يا نبى الله لوددت أن الذى بك بى».

فغمزن أزواجه بأبصارهن، فقال لهن: «مضمضن»، فقلن: «مم؟» فقال: «من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة».

إنها لتفاصيل تصلح أشد ما تكون لرواية عظيمة. الظروف الدامية التى تم فيها اللقاء، وكيف تحولت إلى محبة جارفة. والرؤيا التى مهدت للبشارة، والعبرة أن حسن الخلق والتحبب إلى المرأة كفيلان بأن يزرعا المحبة فى قلبها مهما كانت مرارة البداية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.