أيمن الجندى يكتب | الشرفة

أيمن الجندى يكتب | الشرفة

د.-أيمن-الجندى

استيقظت مرام وهى تشعر بسعادة غامرة. سعادة غير اعتيادية بالمرة. دورة من دورات المزاج التى لم تعد تفاجئها. حتى آمنت أنه اتصال روحى يهديها هذا الكنز من السعادة. حينما تشعر أنها تود أن تطير، وتضحك على لا شىء، وتنثر السعادة للجميع كقروش الشمس الفضية. حينما تشعر أن قلبها يتسع للعالم. وتغفر للماضى كل خطاياه، وتعتقد بإخلاص أن هذا العالم- برغم ما فيه- هو أفضل العوالم الممكنة.

أصلحت مرام زينتها وارتدت فستانا مبهجا. وبسرعة فتحت الشرفة. من حسن الحظ أن شرفة بيتها تطل على حديقة واسعة. يحسدها عليها معظم الزوار برغم أنها لم تعد تفتحها إلا نادرا. الأرض مليئة بالغبار وكذلك المقاعد. هرعت لتنظف الشرفة فى نشاط ومرح. عندما رأت مرام هذه الشرفة لأول مرة، والمشهد الخلاب الذى تطل عليه، فإنها راهنت أنها ستقضى معظم اليوم فيها، وربما نامت هنا أيضا. وبالفعل، فى بدء الزواج كانت وزوجها أشرف يحرصان على الجلوس فى الشرفة. لماذا صار ذلك نادرا؟ أهو التعود الذى تسببه الألفة؟ أم أن السبب أن أشرف لم يعد رومانسيا بالمرة. يعود من العمل لا يريد غير الطعام والوضع الأفقى. وإذا حدثته بان على وجهه الضجر.

المقاعد الآن لامعة تنتظر أصحابها. ألقت نظرة على الحديقة الخضراء. انبثقت الأشجار فى أوج ازدهارها. وفى أحواض الزهور تمايلت الورود الحمراء فى دلال. وزحفت بين الأشجار قطة كسول. وقفت مرام ساكنة تتأمل زرقة السماء الصافية. واستنشقت الهواء بعمق. ما أشد رائحة الخصوبة فى هذا الوقت من العام! وكأنما حبوب اللقاح تبعث رسالة: «الربيع جاء أيها الحمقى. اعشقوا. تكاثروا».

أسرعت مرام إلى الغرفة ورمت نفسها على السرير. وماذا عساها أن تفعل وهى وحدها فى البيت، وفى صدرها كل هذا الافتتان؟ السعادة تتحول إلى عبء ما لم تقاسمها مع قلب آخر. هل تتصل بأشرف وتخبره أنها سعيدة؟ وماذا لو تذمر وكسر بهجتها؟ ترددت أصابعها على أزرار الهاتف! فكرت أن تهاتفه فقط لتقول له إنها تحبه. ثم قررت أن تكتب رسالة حب له، لكنها تصورت دهشته فتراجعت. ماذا لو رد بفتور أو لم يرد من الأصل. رباه! ما فائدة الزواج إذا لم يشاركها زوجها لحظاتها السعيدة!

وانتثرت من السرير دون أن تفقد حماستها. وفى عقلها ما زالت صورة الحديقة. لماذا تشعر بكل هذا الحنان تجاه العالم؟

قررت أن تهاتف صديقتها. وتلعثمت مرام ولم تستطع أن تقول لها الحقيقة. إنها تكلمها فقط لأنها سعيدة! ولأن تلك الجمرة فى صدرها ما زالت تتأجج. ولأن الشمس اختارت لسبب مجهول أن تهجر الأفق وتسكن قلبها.

سألتها عن أحوال العمل والأسرة. ثم أغلقت الهاتف فى غير رضا. رباه! يجب أن تخبر أحداً ما بأنها سعيدة وإلا ستجن. وفكرت فى أشياء مجنونة. أن تنزل إلى الشارع وترقص. أن تركض كما الأطفال وسط الحديقة. أن تهاتف رقما عشوائيا وتناقش معه: لماذا صارت الحياة بهذا الجمال رغم أنه لم يحدث شىء معين؟. لكنها كانت تعلم أنها لن تفعل. ليس الحزن فقط هو ما لا يتشارك فيه الناس، وإنما السعادة أيضا!

وفى النهاية، ومثلما تفقد الأشياء حرارتها، وتكتسب حرارة الوسط المجاور لها، فإن مرام لم تلبث إلا قليلا حتى أوصدت الشرفة فى هدوء وانصرفت إلى أعمالها اليومية.

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.