أيمن الجندى يكتب |الصبيّان

أيمن الجندى يكتب |الصبيّان

د.-أيمن-الجندى1

دخل البيت مع صديقه فاستقبلتهما الأم فى ترحاب. كان الغلام فى غاية من السعادة لمبيت صديقه عنده. وعندما تنام الأسرة، باستثناء اخته الصغيرة التى تنظر إليهما فى فضول، وتحاول أن تستكشف سرهما، فإنهما سيوصدان الباب بإحكام ثم يبدآن مشروعهما السرى الذى خططا له لشهور.

على مائدة الغداء جلس يتأمل صديقه وهو يأكل فى شرود. عيناه الذكيتان! جبينه العالى كشأن كل العباقرة. كان فخورا بأنه نال صداقة هذا العبقرى الصغير وأصبح موضع سره. فى الحقيقة لم يحدث هذا ببساطة، ولكنه تعرض لاختبارات عدة حتى تأكد أنه سيكتم السر الذى سيغير العالم.

وضعت الأم مقدارا كبيرا من الطعام فى طبق الضيف فلم يبد منتبها إلى ما يحدث وراح يمضغ الطعام بصورة آلية. بينما راحت الأخت الصغيرة تنظر إليه فى إعجاب جنونى. لابد أن يفكر فى أشياء خطيرة ويعرف الأسرار. فهل يستطيع أن يُصلح الدمية التى تعمل بالحجارة، وكفت عن المشى؟ شمخ أخوها بأنفه حينما سألته وقال لها إن صديقه العبقرى مشغول بتغيير العالم. وسرعان ما انتبه أنه يوشك على كشف السر فبتر كلامه.

……………

«وجند كسرى غداة الحنو صبحهم/ منا غطاريف ترجو الموت وانصرفوا». هكذا فاجأه معلم اللغة العربية، وهو يهمس مع صديقه، عن معنى الغطاريف. ولم يسعفه خياله إلا بأنها جمع غضروف وهى الكوارع! وضربه معلم اللغة العربية حتى أبكاه، وصالحه صديقه فى الفسحة وأسرّ إليه بسره الخطير.

نسى ألمه ويديه الملتهبتين وصديقه يقول وهو يتلفت حوله: «الفكرة عبارة عن شفرة سرية يمررها من خلال الإنترنت بلغة برمجة عالية التحكم وقادرة على التكاثر. تسخر كل خوادم الحواسب من أجل نشر الشفرة مثلما يسخر الفيروس نواة الخلية البشرية من أجل استنساخ الفيروس! ثم تصل فى لمح البصر إلى منصات التحكم فى القواعد النووية ليصبح هو المسيطر عليها. وقتئذ يستطيع أن يوجهها كما يشاء».

لوهلة لم يستطع استيعاب الأمر. تخلفا عن الحصة التالية وراحا يتمشيان فى حوش المدرسة. بعد المواثيق الغليظة والقسم بالكتمان راح يشرح فكرته لصديقه: «لقد استخدمت الحضارة الحديثة تكنولوجيا المعلومات فلم تدر أنها تحفر قبرها بيدها. تخيل أن تخترق شبكة الكهرباء فتنيرها أو تطفئها! أو تسيطر على إشارات المرور! أو تتحكم فى البورصة والبنوك! أو تصبح الرؤوس النووية طوع إشارتك. ولماذا تصنعها وتنفق مبالغ باهظة إذا كان هناك مغفلون يصنعونها ثم تستخدمها لصالحك»

انتهى الغلامان من طعام الغداء! وتعللا بالمذاكرة فى الغرفة الموصدة. لقد اكتملت الشفرة السرية التى سيرسلها صديقه من جهاز كمبيوتره ليصبح هو الحاكم الأوحد للعالم. وخامره شعور بالقلق أن تصل السلطات إلى مصدر الكمبيوتر وتقصف داره بالطائرات. لكن لم ينتبه الشك لحظة فى عبقرية صديقه وقدرته على تنفيذ مخططه بإحكام!

وطرقت أخته الصغيرة الباب حاملة الدمية ومحاولة استكشاف السر، إلا أنه طردها بقسوة. وجلس صديقه فى ثقة ينقر على أزرار الكمبيوتر. الليلة يصبح صديقه ابن الرابعة عشرة حاكم العالم الفعلى، وينتقم من معلم اللغة العربية، ويجعله يأكل الغضاريف.

وبالفعل أنهى صديقه كتابة الشفرة السرية. وجلسا ينتظران السيطرة على العالم. وككل صبيّين فى هذا العمر لم يجدا شيئا يفعلانه أثناء الانتظار أفضل من لعب الكرة. وبالفعل تعالت صيحاتهما وهما يسددان الكرة، وقد بدا واضحا أنهما نسيا كل ما يتعلق بأحلام السيطرة على هذا الكوكب العجيب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.