أيمن الجندى يكتب | العزاء

أيمن الجندى يكتب | العزاء

د.-أيمن-الجندى

تملكه السأم من الطريق الترابى فى طريقه إلى القرية. توقف مبهوتا أمام ملامح الفقر الصارخ والوجوه المتعبة والبيوت البائسة الفقيرة. انحدر من عائلة تجار يقطنون المدينة منذ أجيال، لذلك لم تكن له علاقة بالريف، ولولا واجب العزاء لما ذهب أصلا. ولكن أهو واجب العزاء حقا أم التزلف إلى السلطة الجديدة؟ احتشدت الدولة بأسرها فى عزاء والد الإعلامى اللامع الذى غزا عالم السياسة. ولكن لماذا لم يتلق العزاء بالقاهرة؟ أهو الحنين للجذور أم الاحتماء بالأهل والعشيرة؟ أم أنه الضعف البشرى يراوده لإثبات الذات فى الدروب المتربة التى شهدته صبيا بائسا! ابنهم النابه الذى اقتحم عرين العاصمة، ثم أحضرها معه إلى سرادق أبيه.

اهتزت السيارة بعنف من الطريق غير الممهد. نظر برثاء إلى سيارته اللامعة التى لم تخلق لهذا النوع من الطرق أصلا. ومرت به جماعة من الريفيين البؤساء القانعين بحياتهم البسيطة. فلم يشعر بذرة تعاطف أو دفعة إلى النجدة. بشكل ما هم يستحقون حياتهم ومتآلفون معها. واليد التى تمتد لإخراجهم سيجذبونها معهم إلى المستنقع. ويظلون فى حياتهم الصرصورية حتى يهبط نعل الموت فوق أم رؤوسهم.

ولاحت له مشارف القرية وسمع صدى المقرئين تحمله الرياح البعيدة. وشاهد تزاحم العربات الفارهة حول سرادق العزاء الممتد، وفى المقدمة يجلس الإعلامى فخورا أكثر منه حزينا. وبرغم احتقاره لنشأته البائسة فقد سارع لاحتضانه مواسيا! فصافحه بفتور يعكس موضعه فى سلم السلطة. جلس بالقرب منه متأملا الوجوه الشهيرة التى تمسك بأحشاء البلد. وأحس بدبيب الحسد لهذا القادم من أحراش الترعة. صعد درجات الشهرة بوثبات واسعة غير مفهومة.

واستفاق لهمهمة واضطراب ماجت به صفوف المقاعد. وانتفض الإعلامى يرحب بالمسؤول الكبير وقد علته الفرحة. وقف فى احترام لكن المسؤول الكبير تجاوزه وكأنه غير مرئى. جلس كسير النفس ناظرا ككلب يبصبص بذيله. وشاهد المسؤول الكبير يلقى بمودته للإعلامى الريفى. وعضت الغيرة قلبه بأنياب مسمومة.

كان الليل قد اكتهل حينما غادر القرية. وقبل ذهابه حرص على أن يهز يد الإعلامى بحرارة مفتعلة. قاد سيارته اللامعة فى الطريق الترابى شاعرا بالضيق والحيرة. ليته لم يأت أصلا. ما الذى يريده من عالم السياسة، هو المنحدر من عائلة تجار يتمتعون برغد العيش. ولماذا يتبع النداهة مسلوب الإرادة؟ وفجأة سقطت السيارة فى حفرة عميقة. وأطلق سبة بذيئة وانتظر أن يأتى أحد ما ينقذه من هذا المأزق. لكن الصمت العميق ساد فترجل عن سيارته. ولم يكد يمشى بضع خطوات حتى توقف مبهوتا. كان بهاء القمر يبسط ملاءته البيضاء على الحقول، وبكيميائه المجهولة أحال الأحجار إلى جوهر نادر. ومن خلال الغضون انكسبت القروش الفضية بنكهة القمر. وفى السماء تدافعت غيوم رقيقة تخللها القمر، فأضفى عليها لون الفضة وبريقها.

وانبعثت من حوله رائحة أزهار البرتقال المنعشة. وبدأ يتنفس تنفسا عميقا. ويحتسى الهواء كما يحتسى الظمآن كأس ماء باردا. ومن بعيد يردد الكروان نداءه القدسى. استمر يمشى كالمسحور بين الحقول المزهرة. وقد حرك جلال الليل وهدوئه قلبه ومشاعره. وأحس فجأة بأن الحياة جميلة. وبأنها أثمن بكثير من أن ينفقها فى ركضه المحموم متمسحا فى السلطة والشهرة. وأحس بأنه يعلو فوق الأمنيات الرخيصة. ومسح الهواء البارد على جبينه وقلبه. ولم يعد يبالى بما كان أو سوف يكون. إذ تكفيه تلك اللمحة التى تنم عن بهاء الكون.

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.