أيمن الجندى يكتب | العينان

أيمن الجندى يكتب | العينان

د.-أيمن-الجندى1

«أوه» خرجت منه صيحة الدهشة على الطريقة الغربية. واحدة من العادات التى التصقت به من خلال إقامته الطويلة فى الغرب. عندما وجد مقالته منشورة فى صدر الموقع الإخبارى ذائع الانتشار. هذا جيد من ناحية ذيوع اسمه وانتشار أفكاره، ولكنه لا يخلو من خطورة. بعد الانفلات الأخلاقى فى مصر، صار عاديا أن يُسب الكاتب بأحط الألفاظ وأقذرها لمجرد الاختلاف فى الرأى.

هذا المقال بالذات سيثير جدلا لا نهاية له. المقال يعبر عن القلق من تحول المشاعر القومية المطلوبة إلى الفاشية الوطنية المذمومة. ويضرب أمثلة بالدول التى دفعت ثمنا غاليا لتطور هذه الأفكار. وهو يقرر أيضا أنه، رغم نفوره من التشدد الدينى، فهو يؤكد أحقيتهم فى العمل السياسى!

ابتسم وهو يفكر أنه من العجيب أن يدافع عن حق المتشددين الدينيين رغم أنه للأسف-لا يداوم على الصلاة.

نزل بالمؤشر على صفحة الكمبيوتر مستعرضا عدد الردود التى تعقب على المقال! وفجأة وقع نظره على وجه يعرفه حق المعرفة، فأحس بالقلق الشديد.

يذكر أنه انتبه إلى صاحب هذه الصورة بسبب مثابرته- غير البشرية- على التعقيب على جميع الأخبار، بنوع من الفاشية الوطنية التى بلغت حدا متطرفا يُعاقب عليه القانون. صورته المخيفة كانت تبعث الفزع فى قلبه. يُكبّر الصورة إلى أقصى مدى ويمعن فى تأمله! الحاجبان متصلان كأنهما إطار لهاتين العينين اللتين تلمعان ببريق مجنون. لم يكن لديه شك فى انطباعه الشخصى. صاحب هاتين العينين قاتل أو مشروع قاتل! وعندما دخل إلى صفحته الشخصية فى (الفيس بوك) وقرأ كل المكتوب فيها أحس بالرعب. هو شاب فى الثلاثينيات. عاطل عن العمل كما هو واضح من وجوده الدائم على المواقع الإخبارية! مستهين بالحياة البشرية ويحرض على القتل! عيناه تقولان إنه فعل أو سوف يفعل! هاتان العينان المجنونتان المرعبتان. هاتان العينان القاتلتان غير المكترثتين.

يفهم هذه النوعية من المتطرفين. أناسٌ بلا عمل ولا أمل ولا مستقبل. وبدلا من أن يعاقبوا المتسببين فى تعاستهم فقد استسهلوا الإيمان بفكرة المؤامرة، والطابور الخامس المتآمر على الوطن. كل صاحب فكر مختلف يصير عدوا شخصيا وما أقل رحمته بالأعداء الشخصيين!

أحس برهبة من قراءة تعليقه على مقاله الملعون. ليته ما كتبه. هو، كسائر الناس، يحب أن يسجل أفكاره وينشرها، ولكنه غير مستعد أن يتعرض للخطر أو يُطلق فى أعقابه الفاشيون المجانين. هو فى الأصل ليس بكاتب. مجرد محب للحياة جرب أكثر من مهنة، ثم عاد لوطنه فى طور التقاعد. كان دوما عاشقا للأدب وفكر أن يراسل الصحف وفوجئ أنها رحبت بما يكتب! ولم يتصور أن ما يكتبه من تأملات يعرضه للخطر.

وعادت عيناه إلى العينين المجنونتين اللتين راحتا ترمقانه فى إصرار. كما توقع يتهمه تعليقه بالخيانة ويعده بالتصفية. رباه! لقد كتب عنوانه فى براءة الغفلة. هذا المنتجع الهادئ الذى يقيم فيه ما أسهل الوصول إليه لمن أراد. والمنزل أكثره زجاج! لن يحتاج الأمر لأكثر من رصاصة، ما لم يرد أن يطبق عدالته الشخصية بيديه العاريتين.

أغلق جهاز الكمبيوتر وهو يرتجف. أحس أنه يختنق فغادر بيته. المنتجع هادئ وكأنه لا ينتمى إلى ذلك الصراع المجنون. رباه! ولكن ماذا يرى! إنه لا يصدق ما يرى. توقف وقد شله الرعب محدقا فى ذلك الشاب الذى وقف أمامه! إنهما العينان.. العينان.. العينان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.