أيمن الجندى يكتب | الفقير

أيمن الجندى يكتب | الفقير

د.-أيمن-الجندى1

غادر رجل الأعمال فراشه في الخامسة صباحا معتل المزاج. ينام معظم الليل على تخوم اليقظة ولا يستغرق في النوم أبدا. البيت غارق في الصمت والكآبة. أعد لنفسه كوبا من الشاى وشرع يحتسيه في غير حماسة، ساعيا أن يغادر الفيلا بسرعة قبل أن تستيقظ زوجته. يشعر بالكآبة كلما نظر إليها. لشد ما آذتها السنون. ملامحها أشبه بتفاحة ذابلة. وجسدها يتضخم في جميع الاتجاهات. ما أبعد الصلة بينها وبين الغادة القديمة التي كان يزهو بها في السهرات! ولكن هكذا تفعل الأيام!

سائقه كان ينتظره في سيارته المرسيدس. السيارة لامعة بدون خدش واحد. دلف إلى المقعد الخلفى في غير اهتمام. وانطلقت السيارة نحو المطار. واحدة من أسفاره الكثيرة التي لم تعد تجلب له غير السأم والإرهاق. البقاء أيضا لا يسعده. تقريبا لم يعد شىء يسعده أو يثير حماسه. حتى الأرباح الطائلة والأعمال الرائجة لم تعد تبعث اهتمامه القديم.

في المطار وجد «عبده» ينتظره. الموظف الجديد الذي يمتلئ حيوية وتحمسا، حاملا حقيبة تحتوى على الملفات المهمة. في المعتاد يصحبه مدير مكتبه الذي يعرف دقائق عمله. لكن المرض أرقده في الفراش. ولما تبين استحالة سفره رشح «عبده» بديلا عنه وشرح له تفاصيل الصفقة، ووافق هو بلا مبالاة.

صافحه في غير اكتراث. وسرعان ما بدا له «عبده» يشتعل حماسا ولهفة. نظر نحوه في تعجب وسرعان فهم أنها المرة الأولى التي يسافر فيها خارج البلاد! كان يوما ما مثله، شاب يشتعل بالرغبة والحيوية، ولكن منذ آلاف السنين.

وبرغم أنه يحق له دخول استراحة الدرجة الأولى وتناول ما يشاء من البوفيه المفتوح، فإن تقلص معدته جعله يعزف عن ذلك، واكتفى بمتعة مشاهدة هذه التسلية الجديدة: شاب جديد يخوض تجربة جديدة. جسده يفور بالحيوية، مفلس تقريبا ليس في جيبه إلا جنيهات معدودة، ولكنه رغم ذلك سعيد.

واستغرق في أفكاره الخاصة، وأخذ ينظر إليه كحيوان غريب. ولعله، بل من المؤكد أنه نام بعمق هذه الليلة برغم ما يعتمل بقلبه من أحلام. والمؤكد أنه يستطيع النوم في كل وقت، والمؤكد أيضا أنه قادر على الفرح، مثل ديك برى عفى يصيح بصوت مجلجل مرحبا بالصباح.

وحانت لحظة ركوب الطائرة وانفصلا فذهب هو إلى مقاعد الدرجة الأولى وذهب عبده إلى مقاعد الدرجة السياحية. وظل يفكر فيه طيلة الرحلة. ولعله الآن يتلصص على السحاب من خلال النافذة المفتوحة، ولعله يتابع باهتمام إرشادات النجاة، ومن المؤكد أنه التهم الوجبة كاملة واستمتع بها برغم أنه فطر جيدا هذا الصباح.

عند الوصول إلى البلد الأوروبى بدا عبده كالمستغرق في حلم طويل لذيذ. هؤلاء الشقراوات اللدنات الشبيهات بالقشطة! هذه الزهور المتنكرة في ثوب حسناوات! سبائك الذهب التي تتظاهر أنها شعر! وقوس قزح ثيابهن البديعة! كل هذه أشياء كف رجل الأعمال عن الانبهار بها بعد أن عاش معظم عمره في ذهاب وإياب. لكن عبده طار عقله.

سارا معا في الطريق المزدحم بالزهور. وتبادل عبده نظرات الإعجاب مع حسناء شاهقة البياض. بالتأكيد هذه الابتسامات لعبده وليست له. توقف فجأة وكأنه يرى الأمر على ضوء جديد. لديه مئات الملايين ولكنه عقيم عن الفرح. عبده فقير وبسيط ولكنه قادر على الفرح! ولكن هل هو فقير حقا؟ ترى من منهما الفقير؟

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.