أيمن الجندى يكتب | القتل المُبرر

أيمن الجندى يكتب | القتل المُبرر

د.-أيمن-الجندى1

بالأمس شاهدت فيلم (القتل المُبرّر righteous kill). يمكنكم أن تتخيلوا روعة فيلم يتقاسم بطولته آل باتشينو وربروت دينرو. يمكنكم أن تنبهروا بروعة الحبكة التى جعلتنا طوال الفيلم نتوهم أن دنيرو هو القاتل، بينما هو فى الحقيقة زميله الشرطى آل باتشينو.

لكن أهمية الفيلم تكمن فى موضوعه. لأن القضية التى يناقشها الفيلم هى معضلة العدالة الغائبة، وهل يجوز أن نحققها بأيدينا؟

منذ بدء البشرية وهى ترزح تحت عبء أخلاقى قاتل. القسوة والظلم وقهر القوى للضعيف والمذابح المتتالية وانتفاش الظالم وقيام دولته. كلها أشياء ضغطت على ضمير الإنسانية. وقد يبلغ الضعف البشرى حين يتأخر الإنصاف حد أن يصرخ (حبقوق) نبى العهد القديم: (حتى متى يا رب أدعو وأنت لا تسمع! أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلص). وفى القرآن الكريم: (وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).

لذلك كتبت عدة مرات أن أقصى ما تستطيع الدنيا أن تمنحه لنا هو العدل الجزئى، أما العدل الشامل النهائى فموعده القيامة.

ومما لا ريب فيه أن كلما تقدم المجتمع خضع الجميع للقانون وصار الظلم أقل حدوثا. فلا يمكن مقارنة حجم الظلم بين البلاد المتخلفة والمتقدمة. وبرغم ذلك قد يحدث أحيانا أن يعجز القانون لأسباب إجرائية عن ردع المجرم فما الحل إذا؟ هل نترك المجرم يفلت بجريمته؟

عنوان الفيلم يثير التساؤل. القتل المُبرر! هل يوجد قتل مبرر؟ بالنسبة للشرطى آل باتشينو كان لديه مبرر للقتل. راندل قاتلا للأطفال. قتل ابن عشيقته لكن هيئة المحكمين برأته. وجد الأمر غير مقبول، فتلاعب بالأدلة فى قضية أخرى وأدخله السجن. ماركوس سميث صاحب التاريخ الحقير فى المخدرات والدعارة والجريمة. من غير المعقول أن يفلت من جرائمه لمجرد خطأ إجرائى! وإذا كان القانون عاجزا عن ردعه فإن رصاصة صغيرة سوف تقوم بالغرض. هذا بالطبع غير قانونى. مطلوب منه كشرطى صالح أن ينفذ القانون دون غضب. ولكن هيهات. انطلق كلعنة أبدية يتعقب كل المجرمين الذى عجز القانون عن ردعهم.

فيليب تريغور، مهرب أسلحة. اقتحم شقته وقتله بسلاحه. قواد اسمه رامبو تم ذبحه. إليس لين، بلطجى منحرف تم قتله. ليتنز مغتصب الأطفال الذى أُطلق سراحه لأسباب إجرائية. الحل بسيط جدا. رصاصة لا تساوى بضعة سنتات، ونقص عدد مغتصبى الأطفال واحدا وأصبح العالم أنظف.

لكن الشبهة راحت تضيق بالتدريج حوله. من غير المعقول أن يُقتل جميع المجرمين فى القضايا التى حققها وأفلتوا من العدالة.

ليس هدف المقال تقصى أحداث الفيلم. المهم أن نناقش المبدأ من وجهة نظر أخلاقية. مهما تعاطفت مع مبدأ «المنتقم العادل» فإنه لا يصح فى النهاية إلا الصحيح، ولا يجوز للشرطى أن يخالف القانون بدعوى إنجاز العدالة. ثم من أدرك أن حكمك صحيح وأنه ارتكب هذه الجريمة بالفعل؟ وماذا لو صنع غيرك صنيعك؟ لو طبق كل إنسان عدالته الخاصة ستؤول الأمور بلا ريب إلى الفوضى.

وتبقى فى النهاية الإشارة إلى ضرورة تطبيق العدل من أجل مصلحة المجتمع ككل، وليست فقط لأسباب أخلاقية. فمما لا يخفى على لبيب أن مجتمعا يشيع فيه الظلم ويأكل القوى فيه الضعيف ولا يجد المظلوم سبيلا للإنصاف، فسوف يتحول هذا المجتمع فى النهاية إلى حقل ألغام مفتوح.

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.