أيمن الجندى يكتب | المحاسبة!

أيمن الجندى يكتب | المحاسبة!

د.-أيمن-الجندى1

وأشار الملك بيده، فشاهدت كتابا باتساع الأفق، لكنه ليس مقروءًا فحسب، وإنما ينطق بالصوت والصورة والطعم والرائحة. قال الملاك: «الآن تبدأ المحاسبة. أنت الخصم، وأنت الحكم. سترى الآن نفسك على حقيقتها». «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا».

■ ■ ■

قبل أن يبدأ العرض، كنت أعلم أننى هالكٌ لا محالة. أعرف جيدا ذنوبى! لكنى لا أنكر راقنى أنى الحكم. مهما فعلت فسوف أصدر حكما بالعفو فى نهاية المطاف. المهم أن أنجو.

وبدأ العرض. شاهدت نفسى لحظة التكوين فى رحم أمى. رأيت آثار رحمة ربى، وهو يشكلنى كما يشاء. شاهدت النطفة والبويضة. رأيت التحامها بيد المشيئة. رأيتنى وأنا أتكون، وأنقسم. شاهدت المراحل المختلفة حتى أصبحت إنسانا. عشت كامل التجربة. تسعة شهور قضيتها كاملة فى رحم أمى من جديد. الظلام والصمت والتأمل، على خلفية من دقات قلب أمى. خبرت لحظة الولادة وأنا أخرج إلى العالم محتجا صارخا. الضوء والضوضاء واختلاف الحرارة أزعجنى، ثم هدأت مع مذاق أول رشفة من لبن أمى. كنت أضعف ما أكون. نمت، وصحوت. ثم نمت، وصحوت. ثم ابتسمت لأمى. ثم نمت وصحوت. ثم حبوت، فمشيت فجريت. عشت طفولتى مرة أخرى، كانت ساعات النهار طويلة، وكنت أخطف الصلاة خطفا كمن يتخلص من مصيبة، وكانت آلاف الأشياء تستأثر بتفكيرى وتشغل اهتمامى، فيما عدا الله الذى خلقنى كى أعبده. ثم كبرت، وتدفقت الهرمونات القلقة فى شرايينى. فقدت البراءة المفترضة، وبدأت رحلة المعاصى. لم يكن كافيا أن أشاهد أفعالى، وإنما أن أعرف الخطأ والصواب فى كل فعل. عرفت أن حساب كل إنسان يختلف عن حساب الآخر، تحكمه عوامل مركبة من نشأته وقدرته وعصره واستعداده، وفهمت قوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا». عرفت الإجابات النموذجية التى لو فعلتها، لكنت نجحت بجدارة.

وفجأة توقف العرض، وقرأت بالخط العريض: الاعتذار عملة غير مقبولة فى هذا العالم.

وتتابع العرض. ذنوب لم أعد أذكرها على الإطلاق. مواقف نسيتها، ووجوه نسيتها، وأخطاء ذهبت تماما من ذاكرتى. شاهدت نفسى أقترف الذنب تلو الذنب والخطيئة فى أثر الخطيئة. بعدها أخرج إلى الناس بوجه متوضئ، وأتحدث عن الأخلاق النبيلة!. وهمست فى نفسى: يا ليتنى لم أفعل ذلك.

وسمعت صوتا يدوى: الندم كان يكفى فى الدنيا لمحو الذنوب، ولكنه هنا عملة غير مقبولة.

شرعت أرمُق العرض خجلا أسِفا، شاهدت نفسى على حقيقتها، فكرهتها. كنت أمارس الخداع على نفسى طوال الوقت، ولكنى هنا لم أستطع مواصلة الخداع. وفجأة حدث الشىء الذى لم أتصور حدوثه. راح جلد وجهى يتساقط، قطعة بعد قطعة. صرختُ: أنا مستعد أن أعبد الله ألف سنة. جاهز للتنازل عن كل ما أملك. فقط أوقفوا هذا العرض المؤلم.

قال المَلَك معاتبا: ألم يكن الله أهلا أن يُعبد؟. أغمضت عينى مُتعبا، لم أستطع أن أجادل. فى أعماق أعماقى كنت أعرف أنه محق، وأننى لم أعبده حق عبادته.

عاد يقول: ألم يكن خالقك أهلا لأن تحبه، وتتنفس حبه، وتذكره، فلا تغفل عن ذكره!. وسكت، فلم يكن هناك معنى للإجابة.

سألنى فى حزن: ألم تكن ساعات الليل والنهار تتسع لكل عمل صالح؟!. قلت: بلى.

سألنى فى وجوم: بماذا تحكم على نفسك؟. بكيتُ، فقال مواسيا: اذهب إلى الله، فلعله يكون أرحم بك من نفسك.

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.