أيمن الجندى يكتب | المفكر والداعية والفقيه والأديب!

أيمن الجندى يكتب | المفكر والداعية والفقيه والأديب!

د.-أيمن-الجندى1

حدث كثير من اللبس بسبب عدم التفرقة بين المفكر والداعية والفقيه والأديب. وما الذى ننتظره من كل واحد منهم! ولتوضيح الفكرة فإننى سأضرب مثلا لكل واحد فيهم، فأقول إن العقاد مثال للمفكر عندى، والشيخ الغزالى مثال للداعية، والإمام أبوزهرة مثال للفقيه، وسيد قطب مثال للأديب.

ما الفارق بين هؤلاء جميعا؟ ومن المعتبر عندى؟ هذا ما يحاول المقال الإجابة عنه.

العقاد- كمثال للمفكر- كان مفكرا لا داعية. لم يلبس قط ثياب الناصحين، وإنما عبّر عن قناعاته الفكرية والعقائدية. لم ينه الناس عن منكر وأتى مثله، ولا أمرهم بمعروف، ولم يفعله، ولم يزعم قط أنه إمام فى الدين. كانت مؤلفاته دفاعا عقليا حارا عن الإسلام، وهذا ما يعنينى، أما سلوكه الشخصى، فأمر بينه وبين ربه، ليس من شأنى أن أستقصيه. قد يكون المرء غير ملتزم، رغم إيمانه الصادق، فالالتزام قدرة على الانضباط، وليس الاعتقاد. على سبيل المثال كل الطلبة، المجتهد منهم والمستهتر فيهم (يعتقدون) فى امتحان نهاية العام، ولكن الفارق بينهم فى درجة الاستعداد لهذا الامتحان.

أما الداعية- كالشيخ الغزالى مثلا- فإنه لا بد أن يطابق فعله قوله وإلا كان من المنافقين! وأن يكون سلوكه قدوة لى فى الظاهر والباطن وإلا فلماذا يأمرنى بالمعروف، وينهانى عن المنكر؟! وقد كان شيخنا الغزالى- رحمه الله- خير مثال للداعية الذى يَنفُذُ للقلوب. هذا مع الإشارة إلى أنه لم يكن داعية فقط، بل اكتسب شيئا من خصال المفكر والفقيه. لكنه اختار لنفسه وصف الداعية عنوانا لكتابه «هموم داعية».

أما بالنسبة الفقيه، وأنصع مثال له فى رأيى كان الشيخ محمد أبوزهرة، فهو يكتب بدقة بالغة تشبه دقة الأبحاث العلمية؛ إذ إن رأيه منضبط بالفقه الصارم، لذلك تجد كتاباته خالية من البلاغة الأدبية، لكنها شديدة الدقة من الناحية العلمية، كأنه يكتب بميزان الذهب. فلا تأخذه الحماسة أو المبالغة التى تُباح للأديب. ويكون لرأيه من القيمة والأهمية ما لا يكون لغيره، ذلك أنه يزن الرأى بميزان الفقه. على سبيل المثال، قد يقول المفكر أو الأديب أو الداعية أنه (لا نسخ فى القرآن). لكن الرأى نفسه يكتسب قيمة عظيمة حين يصدر من فقيه.

أما الأديب، ومثله الناصع عندى سيد قطب، فكل المشاكل نشأت حين قرأوا كتبه كفقيه، وليس كأديب. والأديب يستخدم كل حيل الصياغة الأدبية للتأثير على القارئ، فيما لا يُباح ذلك للفقيه. لقد برع الناقد سيد قطب فى استخراج كنوز القرآن البلاغية على نحو مبهر، وتجلى ذلك فى كتابه الرائع «التصوير الفنى فى القرآن». لكنه حين أراد أن يعبر عن أفكاره فإنه لم يفعل ذلك بصرامة المفكر أو ميزان الفقيه، وإنما استخدم بلاغة الأدباء وقدرتهم على النفاذ للنفس لإقناعهم بما يريد. ومن المعروف أن الأديب ينزلق فى حماسته البلاغية بعيدا، وهذا ما حدث مع سيد قطب. وهذا هو سبب كل المشاكل حين لم يفرق القُرّاء بين الفقيه والأديب، فقرأ الإسلاميون كتبه كفقيه، وكان يجب أن يقرأوها واضعين نصب أعينهم أنه أديب.

وأختم المقال بالتنويه إلى الفارق بين الكتاب الذى يعرض رأيا والنص الأدبى. فى معرض دفاع نجيب محفوظ عن «أولاد حارتنا» قال إنه كتبها كرواية، ولكن المشكلة حدثت حين قرأوها ككتاب، والفارق كبير.

رحم الله الجميع.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.