أيمن الجندى يكتب | المُشهّرون بالرسول

أيمن الجندى يكتب | المُشهّرون بالرسول

د.-أيمن-الجندى1

كتب أحد السادة القراء فى الموقع الإلكترونى للجريدة تعقيبا على مقال «السيف والنساء» التعليق التالى: «والأمر الآخر هو طبيعة زيجات معينة فى حياة الرسول، ومنها ما هو مذكور فى مسند البخارى بحديث صحيح، مثل قصة زواجه بأم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب، سيد يهود بنى نضير، وعدوه الرئيسى فى المدينة المنورة، والذى تم ذبحه بسيوف المسلمين فى الفجر، وذبح معه زوج السيدة صفية اليهودى، ثم تزوجها الرسول (ص) فى مساء نفس اليوم بعد أن أشهرت إسلامها، ولا أدرى متى درست الإسلام واقتنعت به بعد ساعات معدودة من ذبح أبيها وزوجها!».

انتهى تعليق القارئ، وما أود قوله يتلخص فى التالى:

١- الصورة التى يرسمها التعليق هى صورة محارب قاسى القلب يذبح خصمه ثم يستولى على امرأته فيواقعها جنسيا بعد أن يجبرها على الدخول فى دينه دون أى تقدير لمصابها الأليم! فأين الحقيقة فى ذلك؟

٢- لكى نعرف الحقيقة لا بد أن نضع الحدث فى مكانه من الصورة الكلية. أما من يجتزئ التفاصيل ويبدأ من ثالثا فكأنه يجعلك تتعاطف مع لحظات الإعدام دون أن يذكر الجريمة الأصلية التى أُعدم بسببها.

٣- والقصة إذا بدأناها من أولاً، فسوف نعرف أن الرسول جاء المدينة مهاجرا مُضطهدا من قومه بعد دعوة أهل يثرب له. وحين وصلها فإنه تحبّب إلى جيرانه اليهود بكل وسيلة. وعقد معهم حلفا جعل لهم ما له وعليهم ما عليه، وأنه ناصرهم وهم ناصروه. فما ناله منهم سوى الكيد والمكر والاستهزاء. ولقد تحمّل منهم كل هذا، لكنه لم يستطع تحمل خيانتهم له فى تحالفهم مع مشركى قريش إذ إن غزوة الأحزاب لم تكن حرب كر وفر مثل حرب أحد، ولكنها كانت حرب استئصال وغزو فى عقر المدينة.

٤- حدثت الحرب بين المسلمين ويهود خيبر. ولقد كانت أعراف الحرب وقتها، ومنها استرقاق نساء الطرف المهزوم، تسرى على الطرفين معا. بمعنى أن المسلمات كن معرضات للسبى فى حالة الهزيمة. وهكذا تم أسر صفية بنت حيى، ضمن باقى الأسيرات اليهوديات فماذا حدث بعد ذلك؟

٥- ساق بلال صفية فمرت على مصارع قومها فصرخت باكية. وتصادف أن الرسول رآها فى هذه الحالة. فعنّف بلالا وقال له: «هل نُزعت من قلبك الرحمة لتمر بها على قتلى قومها؟».

٦- لحظتها بدأ اهتمامه بها فخيرها بين الإسلام والزواج منه، أو العتق واللحاق بقومها فاختارت الإسلام والزواج به. وهناك تفاصيل كثيرة، لا تتسع لها مساحة المقال، تؤكد أن دعوة الرسول بلغتها وأنها مالت إلى الإسلام قبل المعركة.

٧- تُجمع كتب السيرة أن الرسول كان غاية فى الرقة معها، يطيّب خاطرها وينحاز لها. لقد تحرك قلبه لغربتها وسط العرب، وللظروف المأساوية التى فرضت قتال قومها، واعتذر لها كثيرا أن قومها هم الذين بدأوه بالعدوان. وبالطبع استجابت الأنثى فيها لذلك الحنان. فى مرض وفاته هتفت باكية أنها تتمنى لو كانت مكانه!

٨- ثم دعكم من هذا كله. معروف أن الرسول توفى وعاشت بعده أربعين عاما كاملة. فهل ارتدت السيدة صفية على أعقابها؟ هل تركت الدين الذى قتل أباها وزوجها؟ أم عاشت أما للمؤمنين تُعلّم المسلمات أمور دينهن. آه ما أبعد الشقة بين الحقيقة كاملة وبين اصطياد بعض الأجزاء لمجرد التشهير! وما أبعد الرسول عن الصورة الهمجية التى يريدون تسويقها!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.