أيمن الجندى يكتب | المِطاطى

أيمن الجندى يكتب | المِطاطى

د.-أيمن-الجندى1

تلقيت من د. وئام موسى الرسالة الموجعة التالية:

«قابلته على باب المكتب ذات صباح. حينما رآنى عرفنى بنفسه قائلا إنه الساعى الجديد مكان عم أحمد الذى أحيل على المعاش. شرعت أتأمله: كان رجلا فى منتصف الأربعينيات نحيل الوجه، له بطن كبيرة بارزة مقارنة بباقى جسده. شرحت له مهام عمله بالإضافة طبعا لعمل القهوة التى أحبها مضبوطة.

راتبه، كما أخبرنى فيما بعد، حوالى ستمائة جنيه. لا يهم كيف سيعيش بهم. ولكن ما استرعى انتباهى هو مرضه بالكبد فبدأت أتابعه. لاحظت أنه لا يغادر الشركة فى فترة الراحة حتى يوفر نقود المواصلات. لاحظت أيضا أن كل ما يتناوله هو عنقود من العنب أشاهد فى المساء بقاياه.

كان لدى مذياع قديم لا يعمل. منحته إياه قائلا له: «حاول أن تصلحه فربما يسليك فى فترة إغلاق المكتب».

بعد يومين وجدته يجلس على كرسيه المعتاد والمذياع بجانبه مفتوح على إذاعة القرآن الكريم، فهتفت فى مرح: «لقد أصلحته! يالك من بارع!.كيف وبكم؟»

فضحك قائلا: «بجنيهين». وحين فغرت فمى مندهشا أردف مفسرا: «أحد أصدقائى فى القرية وجد وصلة تالفة فابتاعها له بجنيهين وقام بتغييره مجانا». ابتسمت فى رضا لكنى بعد يومين وجدت نظارته مكسورة ويلصقها ببلاستر. تجاهلت الأمر حتى لا أتورط فى شراء نظارة أخرى. لكن كالعادة وجدته بعد يومين وقد تصرف. شاهدته يرتدى نظارة جديدة. فتعجبت وسألته كالمعتاد: «بكم؟».

قال لى فى بساطة: «خمسة وعشرون جنيها!». ولما فغرت فمى كالعادة ابتسم فى رقة وقال: «أحد أصدقائى يعمل فى ورشة عدسات تابعة لمحل نظارات شهير. وقد اشترى لى الإطار من البواقى بمبلغ خمسة وعشرين جنيها!» صرخت فى دهشة: والعدسات؟. غادرنى وهو يهز كتفيه: «سجلها صديقى من الهالك!». ضربت كفاً على كف وأنا أتذكر المبالغ الفلكية التى دفعتها فى شراء نظارتى الأخيرة. ثم فطنت إلى تكاتف طبقته فى مواجهة أعاصير الحياة العاتية.

المرة الثالثة حين طلب منى توصيله لأقرب موقف ميكروباص. وكنت قد ركنت السيارة بعيدا فسار معى. وسرعان ما شحب وجهه وأصابه إعياء شديد. أسرعت بفتح باب السيارة ليجلس، وبعد أن زال الإعياء بادرنى بابتسامة ضعيفة: «عندى تليف فى الكبد سببه فيروس سى. الدكتورة قالت إنى أحتاج كيسين من الدم وزجاجة ألبومين كل شهر»، فقلت له ناصحا: «اصطحب أحد أصدقائك أو أقاربك ليتبرع لك». قال على الفور: ومن أين سأعثر على متبرع كل شهر! وبنك الدم يأخذ كيسين دم فى مقابل واحد!. قلتُ آسفا: «لم يعد أمامك سوى أن تشتريه. لكنه باهظ الثمن». ابتسم فى تعب: «أحد أقاربى يعمل فى بنك الدم وسيوفره لى مجانا». قلت متحديا: والألبومين؟. نكس رأسه معترفا لأول مرة بقلة حيلته: «هذا هو الذل الذى نراه من الحكومة. منذ عامين كانت قرارات العلاج على نفقة الدولة تصدر فى أيام معدودات. واليوم يستغرق الأمر ثلاثة شهور».

أوصلته إلى حيث أراد. ثم انشغلت بالتفكير فيه طيلة الطريق. قلت لنفسى: «مهما كانت حيلة الفقير وتكاتف طبقته، فإن الدولة تقهره فى نهاية الأمر».

وفجأة تذكرت لقب عائلته فاستغربت المصادفة. «المِطاطى»؟ أى الذى يُطاطئ رأسه؟ فهل عم أشرف يطاطئ رأسه بالفعل؟ أم يرفعها عاليا رغم مطرقة الفقر الهائلة التى تهوى فوق رأسه؟ ووجدت نفسى أهتف فى السيارة برغم أننى كنت وحدى: «عم أشرف. إنت مش مِطاطى».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.