أيمن الجندى يكتب | النباتات

أيمن الجندى يكتب | النباتات

د.-أيمن-الجندى1

أتحفنى المهندس شريف رفعت بهذه القصة الرائعة:

لم يكن هناك شىء مميز بالنسبة لجارى. فهو هادئ منطوٍ تكاد لا تشعر بوجوده، أقابله نادرا أثناء نزولى أو صعودى إلى شقتى فأحييه ويحيينى. أحيانا أتبادل معه بعض العبارات العابرة. يقطن بمفرده فى الطابق الرابع فى الشقة التى تعلو شقتى، لم يسبب لى يوما أى إزعاج، فلا ضجيج يصدر عن شقته ولا أشياء تسقط من شرفته على شرفتى، إلى أن جاء يوم لاحظت فيه تكون بقعة صفراء على سقف حجرة جلوسى. بقعة صفراء دائرية فى حجم رغيف الخبز ناتجة بلا شك عن نَشْع مياه من شقة جارى. صعدت له، فتح باب الشقة متوجسا، فوجئ برؤيتى غير المتوقعة، بدأته بالتحية وأخبرته عن الماء الذى ينـْشـَع من شقته على سقف حجرة جلوسى. صمت الرجل برهة، طلب منى الانتظار وتوجه إلى الحجرة التى تعلو حجرة جلوسى. كان باب الحجرة مفتوحا شاهدت من خلاله عشرات النباتات والشجيرات الصغيرة فى أحواض وأصص ومزهريات مختلفة الأشكال والأحجام بعضها على الأرض وبعضها على أرفف. من خلال الباب أيضا أمكننى رؤية الشرفة المحاطة بالزجاج والمليئة هى الأخرى بالنباتات فتحولت إلى ما يشبه الصوبة الزجاجية. كان اللون الأخضر يشع بوهج جميل، وتتخلله ألوان زاهية لبعض الأزهار المتفتحة نامية فى أصصها أو على أفرع الشجيرات التى حولت الغرفة إلى حديقة نباتات ساحرة.

عاد الرجل سريعا واعتذر لى بحرارة شارحا أن المياه التى يستخدمها لرى نباتاته فاضت عن طريق الخطأ من أحد الأحواض وتسربت من أرضية الحجرة فنَشَعَت على سقف حجرتى. كرر اعتذاره ووعد أن هذا لن يتكرر أبدا.

شعرت بعد انصرافى أنى تسرعت فى مغادرة شقته، كان المفروض أن أعرف منه حكاية هذه النباتات، لكن الفرصة سنحت لى لاحقا فقد شاهدته جالسا فى ركن بالمقهى القريب من سكننا، حييته ببشاشة، سألته وأنا أسحب مقعدا وأجالسه على منضدته: «حضرتك تعيش بمفردك؟»

أجاب على الفور: «لا، أعيش مع نباتاتى».

قلت له مشجعا: «جميل أن يكون عند سيادتك هواية العناية بالنباتات هذه».

نظر لى مستنكرا ثم قال: «النباتات ليس هواية، إنها حياتى. أمضى أوقاتى أعتنى بها وأحيانا كثيرة أتحدث إليها».

بعد هذا اللقاء تكررت رؤيتى لجارى. كان سعيدا بأن هناك من يستمع له عندما يتحدث عن نباتاته، وكلما حاولت تغيير الحديث لأى موضوع آخر، يظهر جارى تبرمه ويعود للحديث عن نباتاته أو كما يسميها عالمه. أخبرنى أنه يمضى ساعات طوال معها وأنه قرأ الكثير عنها بحيث أصبح خبيرا فى النباتات.

لم أسأله عن أفراد عائلته ولم يتطوع هو بالحديث عن أى موضوع غير موضوع النباتات. كنت أفكر فيه أحيانا وأشعر نحوه بالشفقة.

وفجأة انقطع عنى جارى تماما. لم أعد أراه مطلقا. ولم أفطن إلى ذلك إلا بعد بضعة أيام. وطرقت الباب برفق، ثم بعنف، ولم يستجب أحد. وهكذا لم يعد هناك مناص من فتح الباب عنوة. لا أريد أن أستعيد الذكريات الأليمة. لكنى وجدته ملقى على الأرض جثة هامدة وإن كانت الرائحة لم تفح بعد. وعن قريب كانت النباتات تبدو فى المحراب المقدس كما هى خضراء زاهية. وبقدمين مرتعشتين دخلت لأتفقدها. وهناك كانت المفاجأة المذهلة! تحسستها بيدى فلم أصدق حواسى. النباتات كانت بلاستيكية صناعية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.