أيمن الجندى يكتب | النبوءة

أيمن الجندى يكتب | النبوءة

د.-أيمن-الجندى1

«ستأخذ مليون جنيه وستموت بعدها». هكذا كانت نبوءته. لا يصدق الآن أن هذا حدث فى يوم واحد.

كان قد فرغ من زيارته اليومية لعم فرج عندما ارتفع آذان العصر فى المسجد المجاور. فكر أستاذ نبيل فى العودة للبيت للوضوء هناك، ثم استثقل صعود الدرج، خصوصا أنه يقطن فى الطابق الخامس، ولا يوجد مصعد طبعا.

مضى أستاذ نبيل إلى الجامع. أستاذ نبيل مضرب الأمثال فى المروءة. تكفى رعايته لعم فرج، الأعزب العجوز المقطوع من شجرة، يرعاه ويعتنى به ويقضى مصالحه.

أقام المؤذن الصلاة فاصطف المصلون القليلون مكونين صفا واحدا وقف أستاذ نبيل على طرفه. شرد ذهنه كثيرا فى مشاكل المدرسة وتعنت الناظر الجديد فى الحضور والانصراف، برغم أنه فى الحقيقة لا يجد شيئا يفعله بعد انصرافه. لا زوجة له ولا ولد.

انتهت صلاة العصر وحينما هم بالقيام أمسكه الرجل العجوز المجاور له. قال له هامسا: «ستأخذ مليون جنيها وستموت بعدها».

نظر إليه فى عدم فهم لكن العجوز كان قد صرف وجهه. حاول أن يستفهم منه لكن العجوز نظر إليه فى دهشة. وبدت دهشته صادقة إلى الحد الذى جعل أستاذ نبيل يشك فى سمعه. لعله توهم. ما أعجب هذا الكلام. مليون جنيها من أين؟ مرتبه محدود ولا يملك أى أصول. فلينس هذا التخريف ويذهب لتناول الغذاء ثم ينام ساعتين.

من المؤسف أن أستاذ نبيل لم يتناول الغذاء ولا نام القيلولة. تصاعدت الأحداث بسرعة درامية. استغاث به عم فرج الذى اشتكى من ضيق التنفس. قبل أن يحمله إلى المستشفى كان قد قضى نحبه. توافد سكان الحى فى حزن حقيقى. فى انتظار تصريح الدفن بدأ الأستاذ نبيل التفتيش فى أوراقه لعل يعثر على أسماء أقاربه ليعلمهم النبأ. واصطدمت يداه بورقة مطوية لم يصدق عينيه حين قرأها. عم فرج أوصى لأستاذ نبيل بقطعة أرض، لا يقل ثمنها بالتأكيد عن مليون جنيه! انتابته فرحة جنونية سرعان ما انطفأت. لقد سمع كلمة المليون جنيه فى سياق يرتبط بالموت. هكذا قالت النبوءة. كيف تنبأ الرجل العجوز بما سيحدث بهذا الوضوح الكاشف؟ الأمر خارق للطبيعة والعجوز بدا وكأنه مجرد لسان يحمل رسالة.

ارتفع آذان المغرب فى تلك اللحظة. وقف أستاذ نبيل فى الشرفة ناظرا إلى دماء الشمس الغاربة. ومن تحته يصطخب الحى بضوضائه المعروفة. أحقا مرت كل هذه الأحداث فى ساعتين فقط؟

ها قد حدثت المعجزة وصدقت الأقدار النبوءة وأصبح أستاذ نبيل الذى لا يملك إلا راتبه، مليونيرا ميتا.

ولكن هل يرفض الميراث لينجو من الموت؟ يضحى بمليون جنيه لن تأتى مرة أخرى. لشد ما تعبث به الحوادث! لماذا يمتلك إذا كان سيترك؟ ولماذا يترك إذا كان سيمتلك؟

بدأت اجراءات الغسل فانتبه لأول مرة أن عم فرج قد غادر الحياة إلى الأبد. والناس لا يكفون عن مديحه لأنه أعتنى به. هم لا يعرفون أنه كان يرى فيه مستقبل حياته. لم يتزوج مثله ولعله برعايته تهيئ له الأقدار من يعتنى به حين يصير عجوزا مثله. ولكن مهلا! إنه سيموت وشيكا هو الآخر. هكذا قالت النبوءة. من فضلك يا عم المغسل لا تذهب. هناك جثة أخرى قادمة.

انتظم الموكب فى طريقه للدفن. العجوز قال ستموت، ولكنه لم يحدد موعد الموت. ربما بوسعه أن يحتفظ بالمليون.

لا يدرى. لا يدرى.

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.