أيمن الجندى يكتب | النذير

أيمن الجندى يكتب | النذير

د.-أيمن-الجندى

حينما ينفرد بنفسه يتذكر البداية. لثلاث ليالٍ متوالية تتابعت النذر. حينما استيقظ فجأة، وكان الليل مفعما بالسكون البليغ. أحس فى داخله بنداء غامض يستولى على أعماقه ويناديه. فتح الراديو العتيق جواره. انبعث صوت عجيب لم يسمعه من قبل. صوت ضخم هائل متوحش. فريد لا عهد بالبشرية به، ولكنه يبعث التوجس فى النفس، ويستقطر مشاعر الخوف الرهيب.

ارتجفت أصابعه وهو يحاول أن يدير المؤشر قبل أن يصاب بالصمم. لكن الصوت توقف وعاد الإرسال المألوف، وبقى هو فى فراشه يرتجف من هول الصراخ الكونى الذى سمعه منذ لحظات.

فى الليلة التالية، فى نفس الوقت تكرر النداء، ولكنه هذه المرة كان مستعدا. أدار المؤشر ففوجئ بالصوت ينبعث من جميع المحطات. فى الليلة الثالثة والأخيرة أغلق الراديو ولكن ظل النداء يدوّى فى كل مكان. خرج من البيت بسرعة وهناك وجد الناس حيارى مأخوذين يتخبطون فى الطرقات، وهم يستمعون للنداء المزلزل فى رعب رعيب.

حينما انبلج الفجر أدرك كل شىء فجأة، وكأن المعانى تُنقش داخله. يوجد (جسم غريب) يقترب من الأرض، مهددا بفنائها ونهاية الحياة. وبرغم أنه لم يكن متخصصا فى الفيزياء، ولا يعرف سوى قشرة عن المعارف الأولية، ولكنه فهم كل شىء: عند بدء الخلق، فى لحظة الانفجار العظيم لذرة متناهية الكثافة، هى أصل الكون كله، كان هناك العديد من الثنائيات. ثنائية المادة و(ضد المادة)، وثنائية الخير والشر، وثنائية النور والظلام. تشظّى الكون ومن شظاياه كانت المجموعة الشمسية التى اتخذنا أحد كواكبها مسكنا. عشنا فى عالم المادة غافلين عن الطاقة الرهيبة إذا التحمت المادة بـ(ضد المادة)، ذلك الالتحام الذى إن حدث يؤدى للتلاشى وتحول الأجسام إلى طاقة.

حينما امتلأ الكون بالشرور، وعمّت المظالم الأرض، انطلقت القوى المخبوءة من عقالها، فى بعدها البعيد، فى المجرات السحيقة، القادرة على إنهاء الحياة. الذى سمعه كان نداء (الجسم الغريب) القادم إلى الأرض ليلتحم بها وينهى الوجود البشرى.

حينما صار فناءُ هذا العالم دانياً أصغوا إليه وصدقوه. لطالما بحّ صوته محذرا كأنبياء العهد القديم: «يا أولاد الأفاعى، يا أعداء أنفسكم، يا أصحاب الشرور. يا من تتوالد فيكم الخطايا كما يتكاثر الذباب. ها قد صار فناؤكم قريبا بعد أن تصورتم طويلا أنكم ستفلتون من العقاب. (الجسم الغريب) قد انطلق من عقاله مثل لعنة قديمة، حاملا الهول والويل الرهيب. ادعوا، صلّوا، افعلوا الخير، كفوا عن المعاصى، توبوا عن الشرور. كلما قدمتم السلام على الأرض انكمش ذلك (الجسم الغريب). كلما قبّل حفيد خد جدته العجوز ابتعدت نهاية الأرض. كلما ساعدت أعمى على عبور الشارع تراجع (الجسم الغريب)».

هذه كانت قصة النذير الذى هدد بفناء الأرض ومن عليها. يقولون إنه بعدها، عمّ السلام فى الأرض وارتفعت الأغانى والأناشيد. كفت الخلائق عن اقتراف الشر تحت نذير الفناء. وبقى (الجسم الغريب) القادم من بدء الخلق، يحوم حول الأرض، كسيف مُصلّتٍ على رقاب الخاطئين.

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.