أيمن الجندى يكتب | الواحة

أيمن الجندى يكتب | الواحة

د.-أيمن-الجندى

كانت المدينة غارقة فى الظلام والصمت، حينما اجتمع الأصدقاء الثلاثة فى القهوة الوحيدة المفتوحة فى هذا البرد الماطر لوداع صديقهم عماد. وفى دفء المكان، وبرد الشارع، والمطر المنهمر بزخات موسيقية، وصوت اصطدام الملاعق بالصحون، بدا الموقف خياليا وحالما. الصديق المسافر إلى إحدى الوحدات الصحية النائية فى عمق الصحراء، رغم أن ترتيبه- الثانى على دفعته- كان يكفل له التدرب فى المستشفى الجامعى. لكن جميعهم قد فهموا الدوافع الخفية خلف هذا القرار. تجنبوا الحديث عن هالة، ومطاردتها لعماد الذى أحبته بولع، والانهيار النفسى الذى تعرضت له حينما صارحها بأنه لا يفكر فى الزواج بها. وفى مدينة الأقاليم الصغيرة كان إقدام فتاة على الانتحار بسبب شاب يعنى الحكم عليه بأنه عابث، بغير دفاع ولا استئناف.

 

 

وقطع عماد الصمت المُحرج، وقال فى أسف: «حسناً لن أدافع عن نفسى. فربما لم أحسم الأمر لجهلى أنه سيتطور لهذا الحد المؤسف. لكن أصعب شىء أن تحبك امرأة لا تحبها».

 

 

وحان وقت السفر. وتعانق الأصدقاء وفى قلوبهم غصة. كان هذا أول عهدهم بالفراق. ووقفوا يرمقونه وهو يركب قطار الدرجة الثالثة، مفتوح الأبواب، يغوص فى ظلام الليل المندى بالمطر، حتى اختفى عن الأنظار.

 

 

ووسط قرقعة الأبواب وتيار الهواء المثلج المندفع بعنف، وقف عماد متأملا أحداث الأسابيع الماضية التى بدت له كحلم، والرحلة الطويلة والظلام المحدق به من كل جانب، متسائلا عما تخبئه له الأيام.

 

 

استغرقت الرحلة الليل بطوله، وتلوى القطار فى عمق الصحراء، ليصل إلى الواحة النائية فى ظهيرة اليوم التالى. البيوت الحجرية والملامح البدوية والرمال الساخنة، والمركز الصحى القائم على أشراف الصحراء الجليلة. نام عماد بمجرد وصوله، وحينما استيقظ كان الليل قد سقط على الواحة بأكملها. وهبت النسائم المنعشة بما تحمله من أسرار. وبدا له الأمس بعيدا وخياليا، ولقاء الأصدقاء بالأمس وكأنه حدث فى عالم آخر.

 

 

راح يتجول فى أنحاء الواحة، وانتهى به المطاف إلى مسجد الواحة، حيث صلى العشاء دون أن يفارقه الإحساس بخيالية الموقف. وصافح شيوخ الواحة الذين تأملوه فى حذر، لكنه كان يعلم أن احتياجهم له كطبيب سوف يذيب الثلوج فى الأيام القادمة. وفكر عماد أنه سيبقى ثلاثة شهور على الأكثر ثم يعود لتسلم العمل فى المستشفى الجامعى.

 

 

لم يكن عماد يتصور أنه سيبقى ها هنا لعشر سنوات قادمة. وأنه سيضحى بفرصته الممتازة فى العمل بالمدينة، وأنه سيقع أسير عشق الواحة وحب الصحراء. وأنه سيتذوق الحب لأول مرة فى حياته على أيدى فتاة من أهل الواحة، اسمها «مليحة». سيراها مصادفة حين يزور والدها الذى اشتكى وجعا مفاجئا، وسهر بجانبه طيلة الليل. وحين حاول الخروج وجدها أمامه حاسرة الرأس، حسناء الملامح، عميقة العينين. سوف تُفاجأ البدوية بظهوره، فتبدى استياء صادقا سرعان ما يتحول إلى خفقان قلب وخفة فى الروح. وحين تظهر وتختفى، ثم تظهر وتختفى، ثم تسطع فى أفق سمائه سطوعا لاشك فيه. وحين يتقدم لطلب يدها فسوف يتردد والدها فى قبوله، رغم سمعته الممتازة وشعبيته بين الأهالى، ولولا شفاعة شيوخ الواحة ما قبل نسب الغريب.

 

 

كل هذا لم يحدث بعد. فلندعه الآن فى ليلته الأولى بالواحة. كان الليل قد مرّ سريعا، وبدأ الجو يبرد، وتحركت السحب بعيدا عن وجه السماء، كاشفة عن قمر كامل الاستدارة منير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.