أيمن الجندى يكتب | الوجه

أيمن الجندى يكتب | الوجه

د.-أيمن-الجندى1

أرأيتم؟ هذه هى القصة الثالثة التى أنشرها للدكتور شريف الرفاعى. ما إن يأخذ المصرى فرصته حتى يبدع لنا مثل هذه القصة الرائعة!

شاهد سيارة أجرة تقترب فأشار لها والأمل يداعبه. فتح الباب بسرعة وألقى جسده على المقعد. السائق يرمقه بنظرة متسائلة متنمرة. يبتسم ويقول بود: شارع التحرير. لحظة ترقب طويلة يهز بعدها السائق رأسه موافقا.

يتنهد بارتياح ويغوص فى المقعد. ينطلق السائق بسرعة إلى نهر الطريق فيسمع صفير عجلات سيارة خلفهم يتبعها زئير بوق غاضب. يسب السائق قائد السيارة بصوت عالٍ. يتأمله فى حذر. قمحى اللون ذو شارب كث تتصارع فيه قلة من الشعيرات البيضاء مع أغلبية سوداء. صلعة صغيرة وشعر مهمل خشن. حاجبه الأيمن منبعج يقطعه خط لحمى رفيع، كأنه عظمة انكسرت ثم التحمت فى وضع خاطئ. يقود السيارة بعصبية. ينحرف فجأة أمام سيارة ملاكى فيضطر قائدها المسكين إلى القفز بسيارته فوق الرصيف. يخرج من السيارة شاتما لاعنا. يتجمع الطيبون والفضوليون وتنتهى المعركة قبل أن تبدأ. يعود إلى السيارة وينطلق من جديد. يفكر أن أمثال هؤلاء هم سبب كل ما نعانيه من مصائب.

يقترب من مقصده فيزفر بارتياح. العيادة فى الطابق الأول. يصعد ببطء فى محاولة لاستعادة هدوئه. سكرتيرة متعددة الألوان يبتسم لها ابتسامة حاول أن يجعلها مغرية وهو يعرفها بنفسه ويقدم لها بطاقته. نظرت للبطاقة بحيادية وأشارت إلى مقعد خالٍ. يختار مقعدا آخر يجعله أمامها مباشرة. يعرف كيف يكون صيادا بدون أن تفضحه أسلحته. تلتقى أعينهما للحظة طويلة. يبتسم فى داخله. تعرف كيف تكون فريسة بدون أن تفضحها رغباتها. دقائق قليلة تمر قبل أن تدعوه للدخول. يستبدل ابتسامة الصياد بابتسامة الثقة وهو يدلف إلى الحجرة. الطبيب مشغول بالهاتف ويشير له بالجلوس. ترتبك خطواته ويكاد يتوقف قبل أن يتمالك نفسه ويجلس. يحد النظر فى الطبيب المنهمك فى المكالمة التليفونية. لا يصدق هذا الشبه الغريب. نفس الشارب الكث بصراعات الأبيض والأسود.

نفس الصلعة الصغيرة تزين قمة الرأس. الشعر أكثر تهذيبا ولكن من نفس النوعية الرديئة. نفس الحاجب الجريح المعوج. لو كان هذا فيلما سينمائيا لكان الطبيب توأم السائق. ينهى الطبيب المكالمة فينتزعه من أفكاره. يستعيد ابتسامته وحرفيته. يخرج علبة الدواء ويشرع فى الشرح. يستمع الطبيب بدون اهتمام. يخرج عدة علب يقدمها للطبيب كعينات فيتقبلها الآخر كأمر مفروغ منه. يعلق باقتضاب أن الدواء أغلى ثمنا من مثيله من الشركة المنافسة. يخرج من حقيبته العلبة الثمينة. يخبره أن الشركة تتشرف بتقديم هدية بسيطة بمناسبة العام الجديد. ينظر الطبيب إلى الساعة نظرة العارف. يقول ويده قابضة على يد الطبيب: «حضرتك معانا فى مؤتمر الجمعية الأوروبية إن شاء الله؟»، يجيب الطبيب مبتسما: «هو المؤتمر فين السنة دى؟ برشلونه؟». تهتز الأيدى والرؤوس وتتسع الابتسامات وتتلألأ الأعين. ينصرف راضيا. يمر على السكرتيرة ويصافحها ببطء متعمد تاركا لها هاتفه المحمول.

انتهى اليوم وحان وقت العودة. يصل البيت منهكا. يدس رأسه تحت ماء الصنبور ثم يرفعه ليتابع قطرات الماء المتساقطة، بينما الوجه القابع فى المرآة ينظر باهتمام إلى الشعيرات البيضاء التى تجتاح شاربه الكث وتكتسب مواقع جديدة كل يوم، إلى صلعته الصغيرة وشعره الخشن، وإلى حاجبه الأيمن المعوج وآثار الإصابة القديمة تخترقه، كعظمة كسرت ثم التحمت فى وضع خاطئ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.