أيمن الجندى يكتب | انهيار

ايمن الجندى يكتب | انهيار

د.-أيمن-الجندى1

لم يُعرف قط سبب سقوط الطائرة. وبرغم التسريبات التى خرجت بأن طاقم القيادة تعمد إسقاطها فقد كان ذلك عصيًا على التصديق. كابتن الطائرة صاحب سجل مميز وكذلك المساعد. كلاهما يتربع على القمة فى مهنته ولا يوجد أى مبرر يدفعهما للانتحار.

أما الذى حدث فكان كالتالى:

ارتفعت الطائرة بعد أن أُجريت الإجراءات المعتادة. وصعد الركاب إلى مقاعدهم وسط ابتسامات المضيفات البلاستيكية. اندفعت الطائرة على الممر كوحش عملاق يوشك على الانتفاض.

فى كابينة الطائرة، وأمام الزجاج اللامع المفتوح على السماء المنبسطة والزرقة الصافية، جلس كابتن الطائرة بجوار مساعده فى صمت. ودون أى خلافات مسبقة بينهما أحس الكابتن برغبة ملحة فى صفعه، ودون أن يفكر وجد يده ترتفع فى الهواء لتهوى على صدغ مساعده لتدوى الصفعة فى الكابينة المغلقة بصوت ذى رنين.

كان الوحش المعدنى يصارع الجاذبية متسلقًا الهواء. وأُطفئت إشارات ربط المقاعد وبدأت المضيفات الحركة النشيطة فى ممر الطائرة.

مرت دقيقة من الصمت دون أن يحاول الكابتن الاعتذار لمساعده. ولو سأله أحد لماذا فعل ذلك لعجز أن يجيب، لكن المُحَقَّق أنه كان يشعر بسرور خفى إذ أعجبه رنين الصفعة. لم يلتفت إلى مساعده ليشاهد أثر الصفعة عليه وما شعر به من مفاجأة. وطفق يرنو إلى السماء الزرقاء فى غموض.

بدأت المضيفات فى توزيع وجبات الطعام التى أضفت على ركاب الطائرة جوًا من الدفء والحميمية. وترددت التساؤلات المعتادة: « دجاج؟.. أم لحم؟»، ثم انهمك الجميع فى تناول الطعام.

بعد مرور خمس دقائق من الصمت رد المساعد الصفعة، لكن يده المهتزة وأصابعه المرتعشة جعلت الصفعة تحيد وتنحرف عن صدغ الكابتن بحيث أصابت شفتيه وجانب عنقه. وبرغم أنها آلمته ولم تحقق الرنين المطلوب فإنه لم يلتفت نحو مساعده، الذى راح يحدق هو الآخر فى أفق السماء.

انتهى الركاب من تناول الطعام. وبدوا نافدى الصبر فى انتظار أن ترفع المضيفة صوانى الطعام، ولكنهن أقبلن يسبقهن البخار المتصاعد من أوانى الشاى. وامتدت الأيادى بالكوب البلاستيكى تطلب نصيبها من القهوة والشاى. وبدت الحياة لحظتها أجمل ما يمكن وأكثر وعدًا بالدفء والأمان.

التفت الكابتن وصفع المساعد من جديد. ورد المساعد الصفعة هذه المرة بسرعة وإتقان. كل ذلك حدث دون أن ينظر أحدهما إلى الآخر. وكلاهما ينظر إلى الأفق المتألق بأصباغ الغروب. وكأنه لا يريد أن يفوته الجمال الربانى. لم ينتظر المساعد المبادأة، وإنما عض الكابتن فى كتفه، فأطلق صرخة صغيرة مرجعها المفاجأة أكثر منها بسبب الألم، ثم جذبه من شعره حتى خرجت بين يديه بعض الشعرات السوداء.

كانت الطائرة تخترق طبقات الجو العليا، والكابتن واقف أمام خصمه فى هدوء. ثم راحا يتبادلان الاشتباك: صفعة بصفعة وخمشة بخمشة وقبضة بقبضة وركلة بركلة، يفعلان ذلك فى هدوء دون أن يتوقف أحدهما لفهم ما يحدث. كلاهما كان لامعًا كتفاحة حمراء، لكن شيئا كامنا كان يغرى بالانهيار مثلما يختبئ العطن فى التفاحة الحمراء ذات المظهر البراق. ولاحت أضواء مطار الوصول، دون أن يتسرب إلى الركاب صدى الصراع المكتوم فى كابينة الطائرة. وانشغل الركاب فى تأمل الأضواء بانتظار الهبوط بسلام، لكن الوحش المعدنى العملاق كان على موعد مع الأقدار.

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:المصرى اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.